استقالة الوزيرة البريطانية تفضح التواطؤ العميق مع إسرائيل

أعلنت وزيرة التنمية الدولية البريطانية، بريتي باتيل، استقالتها، مساء يوم الأربعاء الماضي، بعد الكشف عن لقاءات سرية غير رسمية جمعتها مع مسؤولين إسرائيليين في لندن ونيويورك.

وفي أعقاب الاستقالة، قالت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، إن الدولتين “حليفتان وثيقتان ومن الصواب أن نعمل معا بشكل وثيق بشرط أن يكون هذا العمل بشكل رسمي ومن خلال القنوات الرسمية.

وفي هذا الصدد، نشر موقع “ميدل ايست آي”، مقالا للكاتب البريطاني ديفيد كرونين، أشار فيه إلى أن تصريحات تيريزا ماي تمتلئ بالازدواجية.

وأوضح أن هناك أدلة وافرة تشير إلى أن حكومة ماي، متوائمة مع “لوبي” مؤيد لإسرائيل داخل حزب المحافظين يخفي الطبيعة الحقيقية للأنشطة البريطانية الإسرائيلية.

وكانت وزيرة التنمية الدولية البريطانية، بريتي باتيل، قد التقت بوزير الأمن العام الإسرائيلي جلعاد أردان، في ويستمنستر، كما التقت بايفال روتيم، أحد مسؤولي الخارجية الإسرائيلية، في نيويورك.

ورتب هذه اللقاءات اللورد ستيوارت بولاك، الرئيس الشرفي لمجموعة أصدقاء إسرائيل في حزب المحافظين، وهو اللوبي الذي أشادت به تيريزا ماي، قبل أقل من عام.

وفضلا عن كونه عضوا في مجلس اللوردات، أحد مجلسي برلمان المملكة المتحدة، منذ عام 2015، يقود بولاك شركة استشارات تدعى “TWC Associates”.

وعلى الرغم من أن شركة “إلبيت سيستمز” الإسرائيلية المتخصصة في الصناعات العسكرية مدرجة كعميل على موقع شركته الاستشارية، فإن بولاك، لم يكشف عن العمل الذي يقوم به هو وزملاؤه مع هذه الشركة الإسرائيلية، لكن الصورة الكاملة هي أكثر شرا بكثير، إذ إن “إلبيت سيستمز”، صنعت العديد من الأسلحة، بما في ذلك الذخائر الفسفورية البيضاء والطائرات بدون طيار، التي استخدمتها إسرائيل في هجماتها الكبرى على غزة في حرب 2008-2009.

وذكر الكاتب البريطاني ديفيد كرونين، أن المتحدث باسم “إلبيت سيستمز”، ديفيد فاكنين، رفض التعليق عندما سأله هاتفيا إذا كانت الشركة ستعيد تقييم علاقتها بشركة بولاك، الاستشارية.

ويوضح كرونين، أنه إلى جانب تزويد الجيش الإسرائيلي بالأسلحة، تمتلك “إلبيت سيستمز” 5 شركات على الأقل في بريطانيا، ومؤخرا صرح ران كريل، ممثل كبير عن الشركة، أن الشركة تعامل بريطانيا باعتبارها “سوقا محليا فعليا” مماثلا للولايات المتحدة وإسرائيل.

وأشار الكاتب البريطاني في مقاله، إلى أنه على مدى أكثر من 25 عاما كان بولاك، لاعبا رئيسيا في مجموعة أصدقاء إسرائيل داخل حزب المحافظين، وتم تعيينه في مجلس اللوردات من قبل رئيس الوزراء حينذاك ديفيد كاميرون، كمكافأة لدعواته المؤيدة لإسرائيل.

وفي وقت سابق من الشهر الحالي، احتفل بولاك، بالذكرى المئوية لوعد بلفور بكتابة مقال يحث فيه بريطانيا على مواصلة استكشاف سبل استمرار التجارة مع إسرائيل.

وأكد الكاتب البريطاني أنه في أي ديمقراطية حقيقية كان سيتم التحقيق في دور بولاك، في لوبي أصدقاء إسرائيل بدلا من الإشادة به، إذ إن هذا اللوبي، باعترافه، من بين الجماعات الأكثر تأثيرا في الحزب والسياسة البريطانية بشكل أعم.

وفي سياق متصل، كتبت ريفكا برنارد، كبير مسؤولي الحملات في منظمة “war on want” مقالا أكدت فيه أنه لا ينبغي الانشغال فقط باستقالة الوزيرة البريطانية وبمن سيحل محلها، “بل من المهم ألا نغفل السياق الأوسع لهذه الاجتماعات التي عقدتها لأنها توضح الصورة الأكبر لعلاقات المملكة المتحدة مع النظام القمعي الإسرائيلي.. صحيح أن باتيل، أجبرت على الاستقالة، ولكن قلقنا يجب أن يتجاوز أبعد من كونه خطأ فرديا.. ينبغي أن نشعر بالقلق إزاء قيام المسؤولين البريطانيين بعقد اجتماعات، سواء سرية أو مفتوحة، ومواصلة التعاملات التجارية مع مسؤولي دولة ترتكب بانتظام جرائم حرب”.

وأشارت برنارد، في مقالها بموقع “ميدل إيست أي” البريطاني، إلى أن أحد النقاشات الفاحشة التي دارت في لقاءات باتيل، شهد اقتراحها بأنه ينبغي توجيه جزء من أموال التنمية البريطانية ودافعي الضرائب إلى الجيش الإسرائيلي لاستخدامها في المستشفيات الميدانية في مرتفعات الجولان، وهي أرض محتلة لا تعترف، حتى المملكة المتحدة، بأنها تنتمي بشكل قانوني إلى إسرائيل.

جدير بالذكر أن أهداف برنامج التنمية الدولية في المملكة المتحدة يشمل، من الناحية العملية والقانونية، القضاء على الفقر ومساعدة الأشخاص للحصول على حقوقهم، لاسيما فيما يتعلق بالأهداف الإنمائية للأمم المتحدة، ولا ينبغي قانونا أن تستخدم أموال التنمية البريطانية لدعم جيش أجنبي، بالأخص عندما تكون المهمة الأساسية لهذا الجيش هي فرض احتلال عسكري غير شرعي، والتسبب في حالة المعاناة والحرمان من حقوق الإنسان التي يعيشها الفلسطينيون.

وعلى ذلك، كما أوضحت برنارد، يبدو أن اقتراح الوزيرة بريتي باتل، لضخ الأموال كان الهدف منه دعاية لتصوير قوات الاحتلال بأنها “إنسانية”.

بطبيعة الحال، رفضت وزارة الخارجية البريطانية اقتراح أن تذهب المساعدات البريطانية إلى الجيش الإسرائيلي، واضطر المتحدث باسم حكومة تيريزا ماي، إلى توضيح أن “المملكة المتحدة لا تقدم أي دعم مالي للجيش الإسرائيلي”.

وفي حين أنه من الجيد خروج مثل هذا التصريح، فإنه يخفي الصورة الأكبر لصادرات المملكة المتحدة السنوية من المعدات العسكرية والتكنولوجيا والخدمات لإسرائيل، وما هو أكثر من ذلك، إذ يتم منح شركات الأسلحة الإسرائيلية عقودا من وزارة الدفاع البريطانية.

جوهر التصريح، الذي لم تقله تيريزا ماي، وكان ينبغي أن تقوله، هو: “نحن لا نعطي أموالا للجيش الإسرائيلي بشكل مباشر، نحن نعاملهم فقط كشريك تجاري مفضل، وندعمهم بطرق أكثر استدامة من مجرد إرسال نقود”.

فضيحة لقاءات الوزيرة البريطانية مع المسؤولين الإسرائيليين، ليس سوى غيض من فيض، فالمشكلة الحقيقية هي التواطؤ العميق بين بريطانيا وإسرائيل، التي تنتهك القانون الدولي يوميا، وتفرض احتلالا عسكريا مدمرا على الشعب الفلسطيني.