«استقالة الحريري غير دستورية».. هل ينجح لبنان في الالتفاف على المخطط السعودي؟

من أهم التوصيفات التي وصفت بها مجموعة من الاستخبارات الغربية والصحف الأجنبية سياسة المملكة السعودية في المنطقة بأنها متهورة، فمن رهانات خاسرة على إسقاط النظام في سوريا، إلى حرب عبثية في اليمن، وتدخُّل في البحرين، وخلاف مع قطر، نجدها اليوم تحاول العبث في الموازين السياسية والطائفية الحساسة جدًّا في لبنان، فبعد فراغ رئاسي في لبنان امتد إلى سنتين ونصف، توصل الفرقاء اللبنانيون في أكتوبر 2016، وبعد عناء تمثل في الحسابات الدقيقة لكل الطوائف والمنصات الحزبية، إلى انتخابات وتوافقات وصل من خلالها ميشيل عون لرئاسة لبنان، وسعد الحريري لرئاسة الحكومة، واحتفظ نبيه بري برئاسة مجلس النواب، وهذه التوليفة رآها الكثير من الساسة اللبنانيين توافقية ومرضية إلى حد ما لمعظم الأحزاب السياسية في لبنان، ووجدوها في الوقت الراهن ستحصن لبنان من التداعيات الخطيرة لدول المشتعلة حوله.

في كواليس هذه التوليفة دائمًا ما كنا نسمع خطابًا سعوديًّا يشير بطريقة أو بأخرى، إلى أنه إذا وصل عون حليف حزب الله إلى الحكم، فيجب أن يكون الحريري حليف الرياض رئيسًا للوزراء، وفي نهاية المطاف هذا ما حدث.

ولكن يبدو أن التركيبة السياسية الجديدة لم تلقَ استحسان المملكة، خاصة أن الوضع في سوريا وبكل المؤشرات والمقاييس أخذ يميل وبقوة لصالح محور المقاومة، وبالتالي الحكومة اللبنانية والتي تضم أطرافًا تدعم بشكل مباشر أو غير مباشر تحركات الجيش السوري في قتاله للجماعات التكفيرية في سوريا، ستزداد قوة على حساب الحريري، ما سيجعل الدور السعودي المحابي لتوجهات واشنطن وتل أبيب في لبنان مهمشًا وغير فعال، الأمر الذي انعكس على تصرفات السعودية الأخيرة تجاه لبنان، والتي حملت طابعًا انتقاميًّا، فالرياض تعلم جيدًا وأكثر من غيرها أن لبنان قائم على مجموعة من التوازنات الطائفية والسياسية الحساسة، والتي لا يجب المساس بها بأي حال من الأحوال، خاصة في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها الشرق الأوسط، فأوعزت الرياض للحريري بالقدوم إليها، وبآلية غير مسبوقة في تاريخ الاستقالات اللبنانية، جعلت الحريري يقدم استقالة مسجلة تلفزيونيًّا ومن داخل المملكة.

وبغض النظر عن آلية الاستقالة فإن مضامين ما حملته من عبارات وجمل حمل في طياته كمية كبيرة من العبارات ذات الأبعاد الطائفية، كما برر الحريري استقالته بأنه قد يواجه مصير أبيه رفيق الحريري وهو الاغتيال، الأمر الذي نفته المؤسسات الأمنية والاستخبارية اللبنانية.

استقالة الحريري بهذه الصورة وبهذا الإخراج السعودي كانت من الممكن أن تتسبب في إشعال فتيل أزمة سياسية في لبنان، وهو ما لم يحدث، فالقوى السياسية اللبنانية على اختلافها لعبت دورًا كبيرًا في احتواء الأزمة، بفضل العقلانية وتجربتها المريرة مع الحرب الأهلية التي خاضتها لبنان لسنوات، بالإضافة إلى أن الأحزاب اللبنانية لم تكن على علم مسبق بهذه الاستقالة، الأمر الذي قلل من حدة الاصطفاف السياسي لهذه الأحزاب؛ نظرًا لانعدام الحسابات وعاملي المفاجأة والصدمة، فأحزاب سياسية لبنانية مقربة من تيار الحريري نفسه قالت بأنها في انتظار عودة الحريري إلى لبنان، وإن الحكومة ماضية في عملها، وحتى ردود الأفعال للأحزاب التي لا تلتقي سياسيًّا وفكريًّا مع نهج الحريري، أبدت مرونة ومسؤولية كبيرة في التعاطي مع الاستقالة، كحزب الله، الذي رمى الكرة في الملعب السعودي، معتبرًا الاستقالة كانت قرارًا سعوديًّا أملي على الرئيس الحريري، وأجبر عليه، والاستقالة لم تكن نيته أو رغبته أو قراره.

ولا يذهب حزب الله وحده إلى هذا التحليل فيما يتعلق باستقالة الحريري، فصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية قالت إن “الحريري الذي لم يظهر أي علامة عن نيّته الاستقالة أو أنه يحضر لها، سافر إلى السعودية وأعلن استقالته من الرياض، وصدم مستشاريه المقربين”. وتساءلت الصحيفة الأمريكية: «أين هو سعد الحريري؟ لبنان يريد أن يعرف… ماذا حصل في الأيام الأخيرة؟».

التحرك الأبرز لتفريغ المشروع السعودي من مضمونه جاء هذه المرة من بوابة نبيه بري، وهو رئيس أهم مؤسسة تشريعية في لبنان «البرلمان»، حيث قال بري بالأمس، في تصريح صحفي، إن «استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري غير دستورية، بحسب النصوص والأعراف»، مبينًا «نحن في  انتظار عودته، ليبنى على الشيء مقتضاه»، وأضاف أن «الحكومة اللبنانية لا تزال قائمة ومستمرة، ولن تغير استقالة الحريري في أي من صلاحيات الحكومة»، ومضى بالقول «بانتظار عودة الحريري لتثبيت الاستقالة، وإلا ستعتبر غير نافذة، وعندما ستقبل الاستقالة وفق الأعراف والأصول، تجري استشارات التكليف والتأليف».

ويرى مراقبون أن خطوة «بري» الأخيرة ستسمح بالالتفاف على المخطط السعودي في لبنان على الأقل في الفترة الراهنة، فمن جهة التمهل في قبول الاستقالة وفقًا لآليات الدولة هو حق لأي دولة تحترم سيادتها، خاصة أن هناك مؤشرات تشير إلى أن الحريري تحت الإقامة الجبرية في الرياض، وأن مرافقيه الشخصيين لا يعرفون حتى مكان تواجده، ومن جهة أخرى ستبقى الحكومة متماسكة كجبهة داخلية مهمة لتحصين الوضع السياسي في لبنان، خاصة أن التحركات السعودية رافقتها تحركات إسرائيلية سريعة، حيث اعتبر رئيس حكومة الاحتلال الصهيوني، «بنيامين تنياهو»، استقالة الحريري دعوة مدوية للعالم كي يستيقظ ويتوحد في مواجهة ما وصفها بالعدوانية الإيرانية، وهو التصريح الذي يتماشى حرفيًّا مع تصريحات السعودية، والتي اعتبرت حكومة لبنان حكومة حرب، حتى يخرج منها حزب الله، ويتخلى عن سلاح المقاومة.