اخلع نعليك وصلِ.. “فأنت في شرم”!

لا أعارض من باب المكايدة أو لإشباع رغبة ساذجة في التميز والاختلاف، بل أملاً في تحقيق حلم قديم أراني فيه وقد صرت إنساناً غير مُكبل بسلاسل القهر والعوز والخوف، تحكمني قوانين العدل والمساواة والرحمة، ولا أحمل قلقاً أو هماً لمستقبل غامض ومُبهم.

هذا الحلم سيتعارض حتماً إذا ما أسقطناه علي أرض الواقع، فكيف يتحقق ما أتمناه في وطن يسير بأكمله خلف رغبات فرد واحد.. إذا مزح فهذه إشارة لنا بأن نقهقه لنكاته، وإذا تجهم فعلينا أن نطأطئ رؤوسنا عسانا نحظي بالغفران، وإذا قال إن طعامنا وكرامتنا وتقدمنا مرهونين بإقامة “منتدي عالمي” في شرم الشيخ، لسبقناه إلي هناك وجعلنا منه نقطة فارقة في تاريخنا.

كل الانطباعات التي صدرت من شرم، سواء كانت لضيوف أو صحفيين أو منظمين أو عابرين سبيل، تُجزم بأن مصر دخلت نادي الكبار من أرحب أبوابه، وأن ماضي الريادة والأمجاد لم يعد مجرد نوستالجيا نترحم عليها، بل أعادنا المنتدي إلي موقعنا المتميز علي خريطة العالم، واسترجعنا به كل ما فقدناه من تأثير وحضور دوليين.

لا شك أن النجاح الطاغ الذي حققناه في التنظيم، بكل ما تحمله الكلمة من عبقرية في استقبال الضيوف وتسكينهم وتجليسهم في أماكنهم علي المنصة وضبط مواعيد الجلسات واختيار لها قضايا جدلية بعناوين براقة، كل هذا المجهود الذهني والتنظيمي الجبار سيؤهلنا لنكون أكبر قوة إقليمية في الشرق الأوسط دون الحاجة لقطع مشاوير التقدم المزعومة، فما خاضته الدول الكبري عبر سنوات قضتها في العلم والبناء والعمل، اختصرناه نحن بذكاء في رحلة إلي شرم الشيخ لمدة (5 أيام ـ 6 ليال) شاملة المواصلات ومصاريف التنقل.

لم نصادف في كتب التاريخ أن أمريكا احتلت رقم (1) علي مستوي الكوكب انطلاقاً من قاعدة منتدي “شباب نيوجيرسي”، أو أحداً روي لنا بأنها نقلت واستفادت من عظمة التجربة الروسية المعروفة باسم “شباب الكرملين”، كما لم يشر أي مؤرخ ضمن كتاب أو بحث أو مخطوطة بأن ألمانيا قد داوت أثار الدمار والهزيمة بعد الحرب بإقامة منتدي “شباب هامبورج”، فأصبحت بفضله وببراعة تنظيمه أكبر قوة اقتصادية في أوروبا.

إذا كانت الأبواق الصاخبة للنظام السياسي الحالي أفرطت في استخدام لغة المبالغات لتضخيم “رحلة شرم” وتصويرها كأنها معجزة مصرية لا تقبل التكرار، فلا مانع إن أفرطت أيضاً في التباهي بموهبتي إلي حد وصف هذا المقال تحديداً بأنه أعظم ما أنجبت البشرية من كتابات، وأنني قادر علي إنتاج أعمال أدبية أعظم من ديستوفسكي وهيمنجواي ونجيب محفوظ، فالمصري الذي استطاع أن ينظم حضور ونوم وانصراف هذا العدد الكبير من الضيوف دون أزمات، قادر علي حصد كل الجوائز الدولية المشروعة وغير المشروعة عبر مقال يتيم لا يزيد عن 600 كلمة.

الغيورون لعدم دعوتهم إلي التنزه في شرم الشيخ، من أمثالي، هم وحدهم الذين سيحاولون زعزعة ثقتك في الإنجاز التاريخي الذي حققناه ومدي انبهار العالم به، فرجاء لا تبدو ضيق الأفق وتلتفت مثلنا إلي مئات الملايين التي اُنفقت علي أحاديث وأوراق وتوصيات سرعان ما سيدركها النسيان والإهمال كسابق المؤتمرات الشبابية التي عُقدت علي مدار عام ونصف، ولا تقلل من أهمية أن تكون مصر نقطة التقاء لضيوف وشباب من مختلف التخصصات والجنسيات، ودعك من أسئلة ما جدوي المؤتمر في ظل اقتصاد متعثر وديون متراكمة؟ ألم يكن الأفضل إذا وجهنا الأموال لتحسين بيئة التعليم والصحة والمرافق؟ أليس أصحاب الأفواه الجائعة أولي من ضيوف شرم الشيخ؟.. فهذه الأسئلة لا يجب أن تشغلك ويستحسن أن تتركها لمن هم علي شاكلتي من العملاء المأجورين الساعين إلي إسقاط الدولة ووقف عجلة إنتاجها.

سيعيد أمثالي ممن يملأ قلوبهم الحقد والغل كتابة نفس الروشتة القديمة التي استعان بها غيرنا حتي أصبحوا قوة عالمية حقيقة وليست وهمية.. فالغافل عن عمد وحده لن يتذكر أن أغلب الدول أجمعت بأنه لا تقدم بدون إنتاج، ولا تحضر بدون ديمقراطية، ولا إصلاح بدون شفافية، ولا استقرار بدون مشاركة وقبول للآخر، ولا أمن بدون عدالة للجميع، ولن نُبهر العالم ونحصل علي احترامه بدون إطلاق الحريات واعتماد معيار الكفاءة بدلاً من قصر الاختيار علي “الشلة” وأهل الثقة.

لو كان الحل لكي تصبح “أم الدنيا” دولة عظمي مرهوناً بـ”منتدي شرم”، لتوقف العالم فوراً عن سباق العمل والإنتاج والأبحاث وتحول الجميع إلي “سباق المنتديات”، وما كان النظام السياسي في مصر احتاج إلي شراء كل منافذ الإعلام وحجب البقية، والانقضاض علي استقلال القضاء والتضييق علي العمل المدني والنقابي والسياسي، وما كنت أيضاً سأحتاج إلي التفكير أو بذل أي مجهود لكتابة هذا المقال، ولكنت الآن برفقة زملائي استمتع بدفء شمس وبحر شرم الشيخ.