إسرائيل على خط الأزمة السعودية اللبنانية

خلال الأشهر والأيام القليلة الماضية، شهدت منطقتنا الكثير من المتغيرات الحادة، أحد أهم هذه المتغيرات تبدى في تأسيس خريطة تحالفات إقليمية جديدة، في ظل تراجع واضح للمخططات الصهيوأمريكية، النتيجة المباشرة لهذه المتغيرات تمثلت في انحسار الوجود الداعشي الإرهابي في كل من سوريا والعراق، وتقدم الجيشين السوري والعراقي إلى خط الحدود بينهما، ما جعل الكفة تميل أكثر فأكثر لمصلحة التحالف الإقليمي الذي يضم كلاً من سوريا وإيران وحلفائهم الاقليميين والدوليين.

وفي محاولة لتحجيم الانتصارات التي حققها هذا التحالف تناثرت أخبار وتواترت معطيات تفيد بأن الذين خسروا رهاناتهم في الحرب على سوريا ـ وبينهم بعض العرب في الخليج ـ يحاولون الحد من وقع هذه الخسارة على إعادة رسم خريطة النفوذ الجديدة بناء على نتائج ما جرى على الأرض، وارتفعت في هذه الأثناء وتيرة الأنباء التي تتحدث عن سعي عدد من الدول العربية إلى تطبيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني.

وكان على رأس تلك الأنباء سعي المملكة السعودية إلى بناء تحالفات جديدة تكون إسرائيل في القلب منها، وربما تكون هي الذراع العسكري في هذه التحالف، وتشير مؤشرات عديدة إلى وجود توافق سعودي أمريكي إسرائيلي، في إطار صفقة غير واضحة المعالم حتى اليوم، أسمتها بعض الأطراف «صفقة القرن».

كانت هذه هي المقدمات على مستوى الإقليم القابل للانفجار وسط ازدحام وتزاحم الارادات وتناقضها التي أسفرت عن خطوة غير مسبوقة في العلاقات بين الدول، حين أجبرت المملكة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري على إعلان استقالته من الرياض في ظروف غامضة، ومن دون أي مقدمات ظاهرة، أو مؤشرات دالة على وجود أزمة في الداخل اللبناني، بل ربما كان العكس هو الصحيح، حيث بدت الأوضاع في العاصمة اللبنانية مستمرة على الوتيرة نفسها بين القوى السياسية، بين شد وجذب، وبين خلاف واتفاق، في إطار التسوية التي أجراها الحريري نفسه مراعياً فيها الظروف الداخلية فإذا به يُستدعى على وجه السرعة ليقدم استقالته من الرياض لا من بيروت، وبعبارات وتوجهات لم يعرفها المشهد اللبناني الرسمي بشكل علني من قبل.

نقطة التفجر الظاهرة للعيان جاءت مع حادث الاعتداء الصاروخي على مطار الملك خالد بالرياض الذي اعتبرته المملكة «عدواناً عسكرياً سافراً ومباشراً من قبل النظام الإيراني وقد يرقى إلى اعتباره عملاً من أعمال الحرب ضد السعودية، ويؤكد حق المملكة في الدفاع الشرعي عن أراضيها وشعبها».

وبدا جلياً أن السعودية قررت أن ترد في لبنان، فأمسكت بسلاح الاستقالة لتقذف بطلقاته باتجاه بيروت، بينما عينها مصوبة على إيران، والملفت أن استقالة الحريري صاحبتها موجات تهديد بمحاصرة لبنان اقتصادياً جنباً إلى جنب مع موجات تهويل بإمكانية دخول العنصر الإسرائيلي على خط الأزمة المشتعلة.

ولا شك أن مثل هذه الظروف المواتية تقدم لقادة الكيان الصهيوني فرصة ذهبية غير مسبوقة لشن حرب جديدة على لبنان تمكن إسرائيل من التخلص من حزب الله وتحقق طموحات تل أبيب في الشراكة الفعالة ضمن خريطة تحالفات إقليمية تشملها إلى جانب بعض الدول العربية المرشحة لعقد صفقة القرن التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية من ناحية وتتطلع من ناحية أخرى إلى منع طهران من توظيف نجاحاتها في سوريا لمصلحة مشروعها الإقليمي ومحاصرة نفوذها المتعاظم في المنطقة.

السؤال الملح اليوم هو: هل تندفع إسرائيل وسط كل هذه المعطيات التي توفر إغراءاً غير مسبوق للدخول في حرب جديدة ضد لبنان؟

ابتداءً لابد من التسليم بأن إسرائيل كيان ذو طبيعة عدوانية بحكم نشأته وطريقة تكوينه، وتأكدت تلك الطبيعة العدوانية خلال مسيرته طوال السبعين سنة الماضية، وليس من أحد عاقل يمكنه أن يجزم بردود أفعالها في ظل هذه الظروف والمعطيات المستجدة، ولكننا لابد أن نسلم بأن الحرب لها حساباتها المختلفة، وأن الاغراءات وحدها لا تكفي لأن تشكل دوافع إسرائيلية باتجاه شن حرب جديدة في ظروف إقليمية مشتعلة ترشح المنطقة إلى انفجار يصعب حساب نتائجه ولا يمكن تجنب عواقبه.

بالورقة والقلم وبحساب العقول الباردة تقول إن مؤشرات عديدة تفيد بعدم حماس قادة إسرائيل للانجرار إلى مثل هذا «الخطأ الاستراتيجي» الذي لا نبالغ إذا قلنا إنه يمكن أن يكلف الكيان أثماناً باهظة، وأن يشكل تهديداً جدياً على وجود إسرائيل نفسها.

وحجتنا في هذا المجال ترجع إلى ما قاله بنيامين ناتنياهو نفسه قبل شهر تقريباً في ندوة بمناسبة «عيد العرش» العبري، وقد حذر فيها رئيس الحكومة الإسرائيلية من مخاطر تهدد وجود إسرائيل، بفعل «مخاطر وجودية»، وطالب نتنياهو أن تستعد إسرائيل لهذه المخاطر منذ الآن، لكي تتمكن من إحياء ما أسماه «يوم الاستقلال المئوي» بعد ثلاثة عقود، وقال بالحرف الواحد: «إن وجودنا ليس بديهياً».

وبالورقة والقلم أيضاً يمكن القول بأن إسرائيل التي خسرت الكثير من سمعتها العسكرية، ومرغت وحداتها القتالية الأكثر تدريباً واستعدادا والأفتك تسليحاً في وحل الجنوب اللبناني إبان عدوان العام 2006، هي غير مهيأة للدخول في مغامرة جديدة قد تكلفها ما هو أكثر من خسارة السمعة، أو مجرد هزيمة عسكرية.

لا الظروف الإقليمية القائمة تسمح بأن تمر هذه المغامرة كما مرت سوابقها من قبل، ولا توازن الردع القائم بين حزب الله من ناحية وإسرائيل على الضفة الأخرى يسمح لقادة إسرائيل بالتورط في حرب عواقبها مفتوحة على المجهول.

فضلاً عن الانقسام الداخلي الحاد داخل إسرائيل حول الدخول في الحرب فإن ظروف المنطقة التي قد تغري بالإقدام على مغامرة إسرائيلية جديدة في لبنان هي نفسها التي تقف حجر عثرة أمام الوقوع في خطر استراتيجي مميت.

هناك أولاً معادلة جديدة تحيط عناصرها بالكيان الصهيوني حيث صارت إيران متواجدة على حدود إسرائيل الشمالية وهو عنصر لا يمكن إغفاله في الحسابات الإسرائيلية، والوجود الروسي المسلح في سوريا عامل إضافي لا تقدر تل ابيب على تجاهله، وسوريا نفسها لا يمكن أن تقف متفرجة على مثل هذا العدوان على حليف استراتيجي بمكانة وفاعلية حزب الله.

الحرب هذه المرة ووسط هذه الظروف لا يمكن حصرها في إطارها اللبناني ولا يمكن قصرها على حزب الله وحده، وهو أحد أهم عناصر تلك المعادلة الجديدة التي حققت مكاسب مشهودة في سوريا والمؤكد أن أطرافها لن تسمح بخسارة ما كسبته على الأرض.

الموقف الدولي نفسه معقد إلى درجة لا تسمح بمغامرات غير محسوبة العواقب، وهو ما دفع الكثير من القوى الدولية بما فيها أمريكا نفسها إلى التحذير على لسان وزير خارجيتها من «استخدام لبنان مسرحاً لخوض نزاعات بالوكالة» في الوقت الذي طالب «كل الأطراف داخل لبنان وخارجه، باحترام وحدة المؤسسات الوطنية الشرعية في لبنان واستقلالها ومن ضمنها الحكومة والقوات المسلحة».

وعلى صعيد الموقف العربي، ليس هناك إجماع على المضي قدماً في المغامرات السعودية التي لا تتوقف عند حد، وكان لافتاً في هذا الإطار أن يعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي يحتفظ بأفضل العلاقات مع القيادة السعودية عن موقف مصري مغاير للنهج الذي تندفع المملكة إليه، مؤكداً أمام الجميع على أن المنطقة مضطربة بما فيه الكفاية وليست في حاجة إلى المزيد من الأزمات قدر احتياجها الملح إلى التهدئة، لا إلى الدخول في مغامرات جديدة.

للسعودية دوافعها، سواء تلك الدوافع التي تأتي من الداخل حيث المعركة على وراثة العرش محتدمة، أو تلك التي تأتيها من الخارج حيث مغامرتها في اليمن لم تكلل بنجاح يذكر، ولإسرائيل حساباتها سواء حسابات الداخل الغير مهيأ للمغامرة بوضع وجودها على المحك، أو حساباتها في الخارج التي تنذر بعواقب جسيمة حال اقبالها على الحرب.

الهدف الذي تطرحه السعودية من وراء استهداف لبنان قد يوافق الأهداف الأمريكية والإسرائيلية، لكن توقيت الهجوم السعودي يخالف التوقيت الأميركي الإسرائيلي ولا يتوافق مع تقديراتهما التي تراعي موازين القوى التي استجدت في المنطقة.

وبين دوافع السعودية وحسابات إسرائيل سيبقى الشرق الأوسط وفي القلب منه لبنان مشدوداً على حبال الصراع في الإقليم حتى تستقر المنطقة إلى أوضاع ثابتة أو يندفع البعض إلى مغامرة لن تكون السعودية نفسها بمنأى عن مآلاتها المؤسفة.