إحمد ربنا إنك “مش لامؤاخذة”!

نبحث دائماً عن إراحة عقولنا وعدم إجهادها في التفكير، فنميل إلي تصديق الخرافات بدلاً من دراسة الظواهر علمياً، ونعتمد في معظم اختياراتنا علي مبدأ “اللي نعرفه أحسن من اللي منعرفوش” لنتفادي عناء خوض التجارب الجديدة، وإذا كثرت المظالم وعلا صوت الباطل يكون قرارنا هو الاستسلام وليس المواجهة، فنرضي بالذل علي أمل ظهور المنقذ الذي سيخلصنا من الشقاء ويجلب حقوقنا من دون “نقطة عرق واحدة”.

ما زال أغلبنا يتمسك بأوهام “الرئيس المُخلص” رغم أن كل التجارب السابقة في الحكم أثبتت العكس، حيث داوت الظلم بالإمعان في الظلمات، وعالجت نقص الحريات بسلب المزيد من الحريات، وأعطت الحقوق لمن لا يستحقها، كما شيدت أسواراً عالية حول قصر الحاكم لتمنع عنه المتأمرين والطامعين، ولا تسمح إلا بمرور الكهنة والبهلوانات والخدام الطائعين.

تزداد صعوبة تغيير أي قناعات تراكمت عبر سنوات طويلة، فلا تظن أن محاولتك لإثبات حقيقة أن الرئيس كالبشر يخطئ ويفشل ستلقي استحساناً وتجاوباً من كثيرين، فمن شب علي أساطير الرئيس المُلهم والأب والمؤمن وصاحب القرارات التاريخية، سيكبر ويشيب متمسكاً بمبدأ واحد بأنه “لا كرامة لإنسان في وطنه إذا لم يصفق دوماً لرئيسه”.

إذا تكلم الرئيس فليس من حقنا أن نناقشه بل واجبنا أن ننصت له مشدوهين، وإذا قرر فلا نراجعه بل ننفذ أوامره مُغمضين، وإذا شاء الرئيس فلا راد لقضائه وما علينا إلا أن نصحح من أنفسنا وعيوبنا لنحظي مجدداً برضاه وثقته، وإياك مرة أن تشرد بخيالك فتظن إنك يوماً قد تصبح نداً ومناطحاً لفخامته، أو إنك تملك نفس بصيرته وحكمته ورجاحة أفكاره.

في مصر، يأتي الرؤساء ثم يرحلون دون أن تطرأ أي تغيرات جوهرية علي نمط الحياة أو الحكم، لا سيما بعض الرتوش الصغيرة في الشكل لا المضمون، فنتحول مثلاً من المبايعة إلي الاستفتاء وصولاً إلي انتخابات “الوان مان شو”، وها نحن نشهد حالة ردة جديدة في الإتجاه المعاكس، فنمضي هذه المرة بدءا من الانتخابات إلي الاستفتاء لنحط الرحال آجلاً عند البيعة أو المبايعة، وهي التي كانت سابقاً نقطة الانطلاق الأولي.

إذا كتبت لك الأقدار أن تُولد علي أرض عربية فالتزم حرفياً بالخط الذي سيرسمه لك الرئيس ولا تحيد عنه.. أطع توجيهاته وصفق بحرارة لخطاباته واحذر كل ما يثير حنقه، واعلم أن الطريق إلي رضائه مفروش بالهتافات الصادقة والكتابات السابحة في ملكوته والإشادات الدائمة بما أنجزه الرئيس حتي لو لم يُنجزه أبداً.

فخامة أي رئيس ليس كله سيئاً كما يعتقد بعضكم، فمن محاسنه الكثيرة أنه ترك لكم الأحزاب لتعارضوه فيما يتحكم فيها، وسمح بوجود عشرات الصحف والقنوات التي أخضعها بعد ذلك لتمجده، ومد الجسور مع الشباب بعد أن اختارهم بعناية، كما تواضع بنزول آخرين أمامه لينافسونه علي المنصب الذي تولاه مُكرهاً، وإن كان قد ضمن الفوز سلفاً إما بتطويع الدساتير والقوانين لحسابه أو عبر مواطنيه الشرفاء المستعدين للتصويت والرقص أمام اللجان تعبيراً عن محبتهم وإخلاصهم له.

الآن يمكنك أن تفهم بسلاسة مقولة “احمدوا ربنا” التي تأتي علي لسان أي حاكم، وكأنها جزء أصيل من مراسم تسليم السلطة، فاحمدوا ربنا أننا تخلصنا من الملك الفاسد والعهد البائد، واحمدوا ربنا أننا تخلصنا من الشيوعية علي يد الرئيس المؤمن، واحمدوا ربنا علي عهد الاستقرار والسلام، ثم “احمد ربنا إنك عايش في بلدك.. مش أحسن ما تبقي لامؤاخذة لاجئ”.

سيفتح الله عليك أبواب النعيم علي قدر إيمانك بتفرد حاكمك، فيما ستُترك أبواب الجحيم مواربة لـ”أهل الشر” وأرباب الضلال، لذا من الأفضل أن تسلك المسلك الآمن لحياتك ومستقبلك ولا تظن أنك المارد الذي سيغير ما لا يتغير، فعندما تقف بقدمين ثابتتين علي أي أرض عربية، لا ترنو ببصرك إلي مدي أبعد من هاتين القدمين، وإجعل أحلامك دوماً في متناول من يفكر فقط في الحصول علي قوت يومه، وأن مستقبله بيد رئيسه.. باختصار: “لّم نفسك ودع الحُكم للحاكم.. وأظن الرسالة وصلت”.