إجراءات تصعيدية بتحريض أمريكي.. هل تكتب السعودية نهاية المنطقة؟

افتعال الأزمات والبحث عن ثغرات سياسية للتذرع بذرائع واهية قد تفضي إلى انفجار بركان حرب جديدة في الشرق الأوسط، هذا هو ملخص السياسة التي تنتهجها السعودية في الوقت الحالي في مواجهة النفوذ الإيراني في كل من سوريا ولبنان واليمن، أو بالأدق ملخص الأوامر الأمريكية لإشعال المزيد من الفتن في منطقة الشرق الأوسط.

تصعيد سعودي جديد

منذ إطلاق جماعة أنصار الله، مساء السبت الماضي، صاروخًا باليستيًا بعيد المدى من طراز «بركان إيتش-2», استهدف مطار الملك خالد شمال الرياض، وجدت المملكة السعودية ضالتها والذريعة التي كانت تبحث عنها لتصعيد الأوضاع مع إيران، حيث شددت الحصار على اليمن، وقررت إغلاق جميع منافذه الحدودية البرية والبحرية والجوية، وهو الأمر الذي سيتضرر منه أكثر من 20 مليون يمني، كما أطلقت السعودية موجة من التهديدات تجاه إيران.

أعلن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، أن السعودية تحتفظ بحق الرد في الشكل والوقت المناسبين، على التصرفات العدائية ضدها من قبل السلطات الإيرانية، وأضاف الجبير، الإثنين الماضي، أن المملكة لن تتسامح مع الإرهاب ورعاته، وتابع: الإرهاب الإيراني يستمر في ترويع الآمنين وقتل الأطفال وانتهاك القانون الدولي، وكل يوم يتضح أن ميليشيا الحوثي أداة إرهابية لتدمير اليمن.

التصعيد لم يتوقف عند تصريحات وزير الخارجية السعودي بل امتد لتهديدات ولي العهد محمد بن سلمان، الذي قال إن ضلوع إيران في تزويد الميليشيات الحوثية التابعة له بالصواريخ يعد عدوانًا عسكريًا ومباشرًا “وقد يرقى إلى اعتباره عملًا من أعمال الحرب ضد المملكة”، وأضاف ولي العهد، أمس الثلاثاء خلال مكالمة هاتفية مع وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون، أن مد إيران بالصواريخ لحلفائهم في اليمن يُعد حربًا على المملكة.

أمريكا خلف الكواليس

يبدو أن الإدارة الأمريكية بعد أن أثبتت فشلها في العديد من الملفات السياسية، وفقدت نفوذها في منطقة الشرق الأوسط، تستعد حاليًا لمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، خاصة أن إيران هي السبب الرئيسي في فشل تحقيق المخططات والمصالح الصهيوأمريكية، لكن واشنطن لا تريد أن تلطخ يدها وسمعتها السياسية بالمزيد من الحروب، فتلجأ للسعودية التي تحقق مصالحها بإشارة من إصبعها، مع إعطائها الدعم واستجداء تعاطف الدول العربية والغربية والمنظمات والهيئات الأممية لتحركاتها ليكون هذا التعاطف غطاء دوليا وذريعة لأي مواجهة مقبلة.

بداية التصعيد الأمريكي دعمًا للسعودية كانت مع تغريدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي أظهرت مدى دعمه لمواقف المملكة فيما يخص أحداث لبنان وحملة الإقالات والتصفيات التي شنها ولي العهد محمد بن سلمان، على العديد من الأمراء والوزراء ورجال الأعمال السعوديين، وقال ترامب، في أول تعليق أمريكي على هذه الأحداث: “لدي ثقة كبير في الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز وولي عهده محمد بن سلمان، فهما يعرفان جيدًا ما يجب القيام به”.

بعد ساعات قليلة من إعلان الرئيس الأمريكي موقفه من التحركات السعودية، انطلق التصعيد في المحافل الدولية على لسان المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي، التي قالت إن إيران خرقت قرارات مجلس الأمن الدولي، وأضافت أن “قوات الحرس الثوري الإيراني بإمدادها المقاتلين الحوثيين في اليمن بصواريخ باليستية من هذا النوع، تنتهك قرارين لمجلس الأمن دفعة واحدة”، وأضافت: نحن نرحب بكشف أي معلومات تساعد في مساءلة وقف إيران عن دعمها العنف والإرهاب في المنطقة والعالم، والولايات المتحدة متمسكة بردع إيران في تصرفاتها المزعزعة للاستقرار، داعية “الأمم المتحدة والشركاء الدوليين لاتخاذ الإجراء اللازم لتحميل النظام الإيراني المسؤولية عن هذه الانتهاكات”.

إيران تتجه للمحافل الدولية

في مواجهة اللغة التصعيدية السعودية والأمريكية تجاهها، بعثت الجمهورية الإيرانية رسالة احتجاج شديدة اللهجة إلى مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة، بشأن الاستفزازات السعودية لها، رافضة اتهامات الرياض بتزويد الجيش واللجان الشعبية في اليمن بالصواريخ، واعتبرت طهران أن الاتهامات السعودية بإرسال الصواريخ إلى اليمن يمكن أن تؤدي إلى مزيد من زعزعة الأمن ونشر الفوضى في المنطقة، ودعت السعودية إلى التوقف عن لغة التهديد والكف عن استخدام لغة القوة، وضبط النفس وتحكيم العقل بدلًا من التهديد والتحريض، كما دعت الأمم المتحدة إلى إلزام الرياض بمراعاة الحقوق الدولية ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

في ذات الإطار، قال ممثل إيران في الأمم المتحدة، غلام علي خوشر، إن طهران تدين الاتهامات السعودية التي لا أساس لها من الصحة، معتبرًا التصريحات السعودية “هدامة واستفزازية” وأنها تشكل انتهاكا صارخًا للمادتين 2 و4 من ميثاق الأمم المتحدة، مضيفا أنها بمثابة تهديد باستخدام القوة من قبل الرياض ضد طهران، وأنها تهدف إلى حرف أنظار الرأي العام العالمي عن العدوان السعودي على اليمن.

من جانبه وصف الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي، تصريحات ولي العهد السعودي بأنها “مخالفة للواقع”، متسائلًا عن كيفية مرور صاروخ طويل جدًا إلى اليمن في وقت تقف فيه كل السفن المحيطة باليمن على أهبة الاستعداد لاعتراض أي شحنات أسلحة، وقال: “السعوديون وأنصارهم يعرفون أن إرسال إيران صواريخ إلى اليمن قصة زائفة”.

هل هي حرب النهاية؟

الخطوات السريعة والمتهورة التي تتخذها السعودية بدعم من أمريكا تجاه إيران، أثارت مخاوف العديد من دول العالم، حيث تكهن البعض بأن تفضي التصعيدات الجارية إلى انفجار بركان من المواجهات بين التحالفات وبعضها، مما قد يُسقط المنطقة في حرب إقليمية قد تكون الأخطر في التاريخ، فيما رأى مراقبون أن هناك تحالفًا دوليًا يتبلور في منطقة الشرق الأوسط بقيادة أمريكا، وبمشاركة السعودية وإسرائيل وبعض الدول العربية والخليجية التي تتماشى رؤيتها مع الرؤية الأمريكية، ويتجه هذا التحالف إلى التخطيط بإحكام إلى حرب مقبلة تقرع طبولها حاليًا لكنها تنتظر شظية بسيطة لتنفجر، وقد تتمثل هذه الشظية في التهديد الذي أطلقته جماعة أنصار الله مؤخرًا بضرب العمق السعودي مجددًا واستهداف مطارات وموانئ السعودية والإمارات.

في ذات الإطار، نبهت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، إلى أن “مستوى المواجهة في المنطقة قد يترك تداعيات بالغة الخطورة، ليس فقط على المنطقة بل خارجها أيضًا”، داعية إلى التهدئة من دون أن تحمل جهة محددة المسؤولية.