أفدنة الماس

تحكى قصة فارسية قديمة عن فلاح عجوز، كان يملك قطعة أرض كبيرة وقلب كبير، فكان يستضيف فى بيته رجال الدين والمستكشفين والتجار المسافرين، وسمع فى أحد الأيام من أحد التجار العرب عن رجال ذهبوا إلى بلاد بعيدة، واكتشفوا مناجم الماس وأصبحوا أثرياء للغاية، فتحمس الفلاح العجوز وقرر أن يخرج ويبحث عن الماس، ومن ثم باع أرضه، وترك أسرته، وانطلق إلى تلك البلاد البعيدة بحثا عن الماس لكى يتوج حياته بثروة هائلة.

وعلى مدى أعوام طويلة أخذ يبحث عن الماس فى تلك البلاد البعيدة، حتى نفد ما لديه من مال ولم يعثر على ضالته، ووجد نفسه فى النهاية وحيدا وتملكه اليأس، فألقى بنفسه فى المحيط ومات.

فى الوقت نفسه، كان المالك الجديد لأرض الفلاح العجوز يغتسل فى نهر يمر بالأرض، ووجد حجرا غريبا يشع ضوءا بطريقة مبهرة، فأخذه إلى البيت ووضعه فى مكان ظاهر. وفى أحد الأيام، جاء إلى الأرض نفس التاجر العربى الذى أخبر الفلاح العجوز منذ سنوات عن الماس، وعندما رأى الحجر، فرح كثيرا وسأل هل عاد الفلاح العجوز أخيرا، فقيل له لا، لم يره أحد مطلقا منذ أن باع الأرض. ولما سألوه عن سبب فرحته، التقط التاجر الحجر وقال: “إن هذا الحجر ماسة باهظة الثمن”. تشكك المالك الجديد للأرض فى الأمر، لكن التاجر أصر على رأيه وطلب منه أن يريه المكان الذى عثر فيه على الماسة، وذهبا إلى النهر الذى كان المالك الجديد للأرض يغتسل فيه، وبحثا فى المكان فوجدا ماسة ثانية، وثالثة، ورابعة، واتضح أن الأرض كلها مغطاة بأفدنة شاسعة من الماس. لقد ذهب الفلاح العجوز إلى آخر الدنيا بحثا عن الماس دون أن ينظر تحت قدميه.

جاءت تلك القصة فى محاضرة ألقاها الكاتب والواعظ الأمريكى راسيل كونويل (1843- 1925) فى أوائل القرن العشرين، ومحاضرته تلك أصبحت مشهورة جدا لدرجة أنه يقال إنه ألقاها أكثر من ستة آلاف مرة حول العالم. ومغزى هذه القصة الرمزية البسيطة أن الفلاح العجوز لم يدرك أن الماس لا يبدو كالماس المعروف فى شكله الخام، فالماس يبدو مثل الصخور العادية فى عين شخص يجهل طبيعة الماس، فيجب أن يتم تقطيع الماسة وتجهيزها وصقلها وتلميعها قبل أن تبدو مثل الماس الذى نراه فى متاجر المجوهرات. بالمثل، ربما يقف المرء فوق أفدنة الماس الخاصة به وهو لا يعلم. إن أفدنة الماس الخاصة بكل إنسان توجد فى شغفه وموهبته وتعليمه وقدراته وخبراته. ربما توجد أفدنة الماس الخاصة بالمرء تحت قدميه، إذا منح نفسه بعض الوقت ليتعرف عليها ثم بذل الجهد الكافى فى استغلالها.

أليس مونرو، الأديبة الكندية الحائزة على جائزة نوبل فى الآداب عام 2013، قالت فى أحد الحوارات الصحفية: “لسنوات طويلة كنت أظن أن كتابة القصص القصيرة هى مجرد تدريبات، حتى يأتى الوقت المناسب لكتابة رواية طويلة، لكننى اكتشفت فى النهاية أن هذا هو ما أستطيع أن أفعله فقط، وواجهت الأمر”. بالفعل، كثيرا ما نسعى فى الدنيا وراء أشياء زائفة، وفى غمرة إنشغالنا بالبحث عن الزائف، يفوتنا الشىء الذى تكمن فيه موهبتنا الحقيقية. ما أسعد الإنسان حين يكتشف موهبته مبكرا ويهتم بصقلها ويجد حوله من يدعمه ويشجعه. إن إدراك الذات مبكرا من أهم مقومات النجاح.

ولد الإنسان ليبحث عن ذاته، والمحظوظون فى الحياة هم هؤلاء الذين عثروا على ذاتهم فى الصغر، ووجدوا طريقهم مبكرا، وهم غالبا العظماء فى أى زمان ومكان، وهم النخبة فى أى مجتمع وفى أى مجال. توفيق الحكيم، نجيب محفوظ، يوسف إدريس، محمد عبد الوهاب، أم كلثوم، محمود مختار، محمود سعيد، حسن فتحى، مصطفى مشرفة، أحمد زويل، كل هؤلاء العظماء وجدوا طريقهم مبكرا. أما الأقل حظا فى الحياة فهم هؤلاء الذين تاهوا أو تعثروا فى الطريق، لكن – رغم ذلك – نجحوا فى العثور على ذاتهم قبل أن تتبخر أفضل سنوات عمرهم. أما الذين أغراهم البحث عن المال أو غرقوا فى مشاغل الحياة، ولم يعثروا على ذاتهم أبدا أو عثروا عليها بعد فوات الآوان، أى بعد أن أصبح من الصعب عليهم البدء من جديد، فهؤلاء لم يعرفوا معنى الحياة ولم يذوقوا لذتها.

قبل أن يسعى الإنسان وراء المال أو ينشغل بتفاصيل الحياة، يجب عليه أن يبحث عن طريقه فى الحياة أولا، يجب أن يتعرف على مواطن تميزه، يتأمل مواهبه التى تثير إعجاب الآخرين، يفكر فى تلك القدرات التى يتقنها بكل سهولة، وتنساب منه بكل يسر، يكتشف ما يمكن أن يتفوق فيه، يكتشف ملكاته، يكتشف جوانب عبقريته، ثم يعمل بكل طاقته على تطويرها وتنميتها، وسيأتى المال بالضرورة تلقائيا وهو يحقق حلمه.

أختم هذا المقال بقصة طريفة عن الفنان الأسبانى الكبير بابلو بيكاسوا. فى أحد الأيام رأته امرأة فى السوق، فجاءته بقطعة من الورق، وقالت له بسعادة: “سيد بيكاسو، إننى من أشد المعجبات بك، فهل يمكن أن ترسم لى شيئا؟”. فاستجاب لها بيكاسو بحماس، ورسم لها لوحة سريعة، ثم ابتسم وهو يقدمها لها وقال: “ستساوى هذه اللوحة مليون دولار”. فردت المرأة بدهشة: “ولكن سيد بيكاسو، إنك لم تستغرق إلا ثلاثين ثانية فقط لترسم هذه التحفة الفنية الصغيرة”. فضحك بيكاسو وقال: “سيدتى الفاضلة، لقد احتجت إلى ثلاثين عاما حتى أتمكن من رسم هذه التحفة الفنية فى ثلاثين ثانية”.