وداعًا صانع النجوم.. «محمد راضي»

لم يكن مخرجًا فقط، ولكن لحياته ورحيله نصيب كبير من الصدف السينمائية، كان مغرمًا بتوثيق تاريخ هام من الذاكرة الوطنية، معارك حرب أكتوبر في ثلاثية، بدأت بأبناء الصمت ثم العمر لحظة وأخيرًا حائط البطولات، بل عبر مع القوات المسلحة اثناء الحرب، لتوثيق لقطات كبيرة من هذه الفترة المجيدة، وتحدث كثيرًا عن هذه اللحظات الفارقة، لتكون المفارقة أنه مواليد شهر أكتوبر يوم 14، ورحل في ذات الشهر يوم 11..

هو المخرج القدير محمد راضى، صاحب البصمة السينمائية المميزة والمتنوعة، كانت الكاميرا سلاحه الذي عبر به القناة، كما ناقش قضايا مختلفة وهموم المواطن عن الانفتاح الاقتصادى، وتجاوزات مراكز القوى فى الستينيات، والقضايا الاجتماعية.

من أفلامه صانع النجوم، موعد مع القدر، الأبرياء، أنا وابنتي والحب، الحاجز. كما قدم للتليفزيون عملاً واحدًا “الكومى” 2001، وكان آخر أعماله.

يقول الناقد السينمائي رامي عبد الرازق إن المخرج محمد راضي من أبرز المخرجين الذين تنوعت تجربتهم السينمائية ما بين الخط السياسي ي والأكشن والاجتماعي والحربي وأفلام المعارك، ويتجاوز ليتحرك إلى مستوى الفانتازيا، فعام 1985 مثلاً قدم “الإنس والجن” الذي كان مختلفًا جدًّا بمعايير المرحلة، ومن المؤكد أن الفترة بين 1978 و1985 تعكس ملخص التجربة السينمائية المتنوعة لمحمد راضي.

وأضاف لـ”البديل”: “رغم شُهرة راضي في إخراج أفلام المعارك الحربية، إلا أنه يملك رصيدًا هامًّا في الأفلام الاجتماعية، مثل “أمهات في المنفى” إنتاج1981 وهو يعد من أبرز أفلام السبعينيات التي ناقشت نتائج الانفتاح الاقتصادي والتحولات الاجتماعية في المجتمع المصري، وهو فيلم هام مهدور حقه في إعادة العرض، ويحتاج لقراءة نقدية جديدة، حيث لا يقل أهمية عن الأفلام التي انتقدت الانفتاح الاقتصادي في الفترة من (1979- 1981) وعلى رأسها “أهل القمة”.

كما أن له مجموعه أفلام أخرى تناقش قضايا اجتماعية  مثل: الحجر الداير، موعد مع القدر 1987وهو ميلودراما اجتماعية مأخوذة عن رواية ليوسف جوهر، و”الهروب من الخانكة” 1986 فيلم اجتماعي، بينما يشكل “الجحيم” 1980 نوعية  الأفلام البوليسيه.

وتابع: تنوعت أعماله السينمائية السياسية بين أفلام موعد مع الرئيس، وفيلم سياسي يتحدث عن زيارة الرئيس الأمريكي لمصر، وهو جيد فنيًّا، ولكن نبرة المباشرة كانت واضحة جدًّا بشكل سلبي، حسب رامي عبد الرازق.

ويرى عبد الرازق أن فيلم “وراء الشمس” إنتاج 1978يندرج تحت نوعية أفلام الكرنكة التي جاءت بعد فيلم الكرنك لعلي بدرخان، تلك الموجة التي انتقدت تجاوزات مراكز القوى فترة عبد الناصر بشدة، ربما لو قلت حدة الهجوم الشرس في الفيلم لأصبح فيلمًا متوازنًا، ولكن “وراء الشمس” كان مجحفًا اختزل فترة الناصرية في السجون والمعتقلات والتعذيب، خاصة أن الفيلم عن رواية لكاتب محسوب على نظام السادات هو حسن محسب.

ويحلل عبد الرزاق ثلاثية راضي عن الحرب ليصنف “أبناء الصمت” كالتجربة الأبرز في مشواره السينمائي والأنضج في تاريخ الأفلام التي تناولت الحرب منذ النكسة والاستنزاف للانتصار، حيث قدم الفيلم قراءة موضوعية فنية راقية، بعيدًا عن الميلودراما الزاعقة، وتوافرت في العمل عناصر فنية مميزة كالتمثيل والكتاب.

بينما يرى أن فيلم “العمر لحظة” المأخوذ عن رواية يوسف السباعي جيد فنيًّا على مستوى الإيقاع والتكنيك، ربما أضعف حلقاته هو تمثيل ماجدة الصباحي، ولكنها كانت منتجة الفيلم.

أما “حائط البطولات” فرغم خبرة راضي في إخراج أفلام المعارك، إلا أن الفيلم كان ضعيفًا على المستوى الفني بدائيًّا على مستوى الكتابة والإخراج والتمثيل، ولم يكن أفضل تجاربه في السينما التي تتناول الجانب العسكري الحربي.

ومن جانبها تقول ماجدة موريس الناقدة الفنية إن محمد راضي أحد المخرجين الذين حملوا على أكتافهم مسؤولية تخليد المعارك الوطنية والحروب التي خاضها الجيش المصري من خلال شاشة السينما، خاصة فترتي الاستنزاف وانتصار 1973 في ثلاثة أعمال مهمة لذاكرة السينما: أبناء الصمت، العمر لحظة، وحائط البطولات.

وأضافت أن فيلم “أبناء الصمت” من أهم الافلام التي جسدت طبيعة المجتمع المصري بعد نكسة 1967، ونضال الجيش على الجبهة في عمليات الاستنزاف، حيث تناول الفيلم بصدق التناقضات التي يعيشها المصريون بعد الهزيمة، تلك الشكوى المعلنة وغير المعلنة، واستطاع راضي بإمكانيات مخرج كبير أن يقول عبر”أبناء الصمت” إن الهزيمة كانت بداخلنا وليست قادمة من الخارج في نكسة الحرب.

وأكدت موريس أن “العمر لحظة” يوثق لحظة الانتصار والبطولات للجيش المصري من خلال قصص إنسانية لحياة الضباط والجنود، وأبرزها شخصية الجندي التي قدمها أحمد زكي.

أما “حائط البطولات” الأخير في ثلاثية أفلام الحروب فترى موريس أنه تعرض لظلم كبير، لأسباب سياسية لا ذنب فيها للمخرج محمد راضي، حيث ظل الفيلم ممنوعًا من العرض لمدة 16 سنة، بسبب تلك الأخبار المتعلقة بمنع الرئيس السابق مبارك لعرض الفيلم، لأنه لا يتناول بطولات القوات الجوية!

وأعربت أنه آن الأوان للإفراج عن هذا الفيلم بعد ثورتين، خاصة أنه تم عرضه مرة واحدة فقط العام الماضي، لافتة إلى أننا نمر بذكرى حرب أكتوبر، وما زالت الفرصة متاحة لتكريم الرجل وعرض فيلمه مثل تلك الأفلام التي استهلكت وحفظها المشاهدون، لذا من الواجب الأدبي والفني إعادة عرض “حائط البطولات” تلك الأيام.

وأكدت موريس أنه بوفاة راضي فقدت السينما الحربية أحد أبرز أعمدتها، ورحيله يفتح الجروح والتساؤلات حول الإنتاج الهزيل والغياب لإنتاج أفلام جديدة توثق انتصارات حرب أكتوبر المجيدة، والمليئة بالقصص والتي تحتاج لمئات الافلام لتوثيقها وتصويرها.

وشددت على أن هذه الأفلام الوطنية تلعب دورًا هامًّا في توثيق لحظات هامة من ذاكرة الوطن في عقول ووجدان الأجيال الجديدة، وللمواطن الذي ينسى أحيانًا، في ظل ضغوط الحياه الاقتصادية، تاريخ التضحيات للجيش المصري الذي بدونه كانت البلاد تعيش التقسيم والخراب، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية بعد مرور قرن على الحرب العالمية الأولى ما زالت تنتج أفلامًا تحكي عنها.