نحن ورجال التاريخ.. عرابي نموذجا

عندما ننظر في مرآة التاريخ علينا أن نتبصر دوافعنا أولا؛ لا أن نستحضر ذواتنا في كامل استعدادها لإصدار الأحكام، ولا يجب أن يقف إدراكنا لتباعدنا عن ذلك التاريخ- حجر عثرة أمام قدرتنا على التحلي بقدر من الموضوعية والإنصاف، ومن العجيب أن يلجأ البعض- إذا أحسنا الظن بهم- إلى عزل رجال التاريخ الكبار عن ظروف واقعهم وشروط زمانهم، ومحاكمتهم وفق شروط زماننا وضوابط واقعنا، بالقطع فإن محاكمة كهذه لن يكون الحكم فيها قريبا من العدل؛ سيكون إلى الجور أقرب، وهذا هو مبتغى البعض؛ لأن هذا الحكم يعني هدم تجربة هذا الشخص، ومحوها بزخمها كاملا وعندما يحدث ذلك بصفة مستمرة مع قاماتنا التاريخية؛ سنجد في القريب جدا أنه لا حاجة لنا إلى التاريخ، وسنرى في أنفسنا قدرة كاملة على أن نكون نحن بداية تاريخ آخر، لا مكان فيه لمفردات مقاومة المحتل، أو مواجهة الغاصب، ولا اثر فيه لمعاني التضحية والفداء، بل واقعية تفرض الرضوخ وتعلي من شأن الانسحاق أمام العدو وترى في التبعية الكاملة له غاية المراد.
إنه لأمر مثير للريب أن تتحرك أمة وهي في أشد مراحل ضعفها وهوانها؛ لتصبح منبتة الصلة عن تاريخها بكل مفرداته بغية أن تبدأ كتابة تاريخ جديد هو في الحقيقة وثيقة استسلام وانكفاء مخزية.. هل هذا هو المقصود أم أننا نبالغ؟
لماذا تصيب سهام البعض رجال التاريخ في هذا الوقت تحديدا؟ ولماذا يصر البعض على أن التعامل مع التاريخ يجب أن يكون كالدخول في مشاجرة، عليك فيها أن تحدد خصومك وأعداءك لتسدد إليهم اللكمات، وأن تميز أصدقاءك لتجنبهم أذاك؟ منطق جديد لا ينظر إلى التاريخ كدروس يجب أن نعيها جيدا؛ فلربما حملت إلينا إجابات لبعض معضلاتنا الواقعية، توجه يخاصم الموضوعية ويشط باتجاه نظرة حدية قادرة على وصم كل رجال تاريخنا على طريق طمس تجاربهم، وقطع كل وشيجة معهم.. حتى بدا الأمر هدما متعمدا للرموز وإفساحا للأقزام الذين يريدون تاريخا بمواصفات خاصة يناسب أحجامهم.
ما المانع إذن أن نحاول مجددا النظر في سيرة رجل كبير كالزعيم أحمد عرابي، وأن ننعم النظر فيما سبق أحداث الثورة من أمور جعلت منها أمرا حتميا لم يكن هناك مفرا من حدوثه.. التحق عرابي بالمدرسة الحربية وهو في الخامسة عشرة بعد أن قضى عامين طالبا بالأزهر، وأصبح في غضون عامين آخرين ضابطا في الجيش المصري دون أن يحصِّل تعليما عسكريا رفيع المستوى، وهو ما لم ينكره عرابي، وهو ما تأكد باستعانته بأهل الكفاءة في هذا المجال في كل المعارك التي خاضها.. كان دخول عرابي للمدرسة الحربية وفق مرسوم أصدره الخديو سعيد، وقد حفظ عرابي الجميل للرجل الذي كان يرى فيه حاكما عادلا محبا لمصر والمصريين، ووليا لنعمته إذ وصل عرابي في عهده إلى رتبة القائمقام، وهو بعد في العشرين، كما لا ينسى له أنه اختاره ياورا خاصا في رحلته للمدينة المنورة، ومن أكثر ما جعل عرابي شديد الحب لسعيد عداء الأخير الواضح للأتراك والجراكسة، وتنكيله بهم كلما سنحت الفرصة، وربما يبرر هذا اقتراب سعيد من الفرنسيين إذ رأى فيهم بديلا جيدا لهؤلاء المتغطرسين.
ظهرت زعامة عرابي بين ضباط الجيش المصري مع بدايات حكم إسماعيل الذي أغرق البلاد في الاستدانة، وكان عرابي ينقم عليه أشد النقمة لذلك، ولسبب آخر هو ما حدث لحملة الجيش المصري في الحبشة من هزيمة ساحقة وإبادة شاملة لسبع كتائب، وكان عرابي يعزو ذلك لاستهتار إسماعيل الذي جعل على رأس الحملة ابنه الحدث الأمير حسن تحت وصاية وتوجيه جنرال أمريكي أخرق يدعى” لورنج” فكانت الكارثة التي آلمت عرابي أشد الألم، إضافة لما كان يراه من تري أوضاع البلاد بسبب التوسع في فرض الضرائب مما أحال حياة الناس جحيما.. وكان عرابي قد اتصل بالشيخ جمال الدين الأفغاني، وجلس إليه وتعرف على فكره وآرائه حول ضرورة وحدة الأمة في مواجهة اعدائها الأجانب الذين يستغلون خيراتها ويستذلون شعبها.. رأى عرابي في إسماعيل عدوا للأمة صديقا لأعدائها، فهو من أفسح لهم المجال، وأعطاهم المبرر للاستيلاء على مصر عن طريق إغراقها في الديون ولعلنا نتبين من ذلك أن مشروع احتلال مصر والمنطقة العربية بأسرها ظل حلما للقوى الاستعمارية لم يغب لحظة، وأن الخطوات الجادة في سبيل تحقيق ذلك قد اتخذت قبل الثورة العرابية بسنوات بعيدة؛ ليصبح الزعم بأن عرابي هو من تسبب بثورته في احتلال مصر زعما باطلا وهزلا يجتزئ الحدث من سياقه التاريخي؛ ليحكم عليه حكما جائرا طاعة للغرض والهوى!
انتهى حكم إسماعيل بخلعه، ونفيه إلى إيطاليا، بعد أن استولى على إيراد المديريات المقدر بخمسة عشر مليونا من الجنيهات، وغادر غير مأسوف عليه.. ولم يرق عرابي في رتب الضباط خلال فترة اثني عشر سنة من حكم إسماعيل الذي دام لأكثر من ستة عشر عاما.. وكان عرابي يرى التخلص منه اغتيالا وربما سعى إلى ذلك واتخذ خطوات بهذا الصدد.. لكن لحظة التنفيذ لم تأت.
ويتولى توفيق مقاليد الحكم، وهو آخر من يصلح للمنصب الرفيع؛ فصار ألعوبة في أيدى القناصل، وازدادت أوضاع البلاد سوءً، وكان توفيق قد تراجع عن وعده لشريف باشا بإقرار دستور للبلاد، وعندما استقال شريف باشا من الوزارة أتى توفيق برياض باشا رئيسا للوزراء ومعه عثمان رفقي المعروف بعدائه الشديد للضباط المصريين وزيرا للحربية، مما جعل الأوضاع على حافة الاشتعال، خصوصا بعد أن فصل الأخير عددا من الضباط المصريين دون دفع مستحقاتهم المالية، ولم يكتف هذا الوزير الشركسي بذلك بل أنه دبر للتخلص من عرابي، ونفذت عدة محاولات لاغتياله باءت بالفشل بسبب يقظة جنوده وحرصهم الشديد على حياته.
لم يكن توفيق بعيدا عن محاولات اغتيال عرابي الذي صار بين رفاقه من ضباط الجيش زعيما ملء السمع والبصر، وليس من المستبعد أن تكون بعض هذه المحاولات قد حدثت بتوجيه مباشر من توفيق.. وهنا يسقط كل زعم سفيه بعدم معرفة توفيق بعرابي، أو عدم اكتراثه لشأنه إذ كان عرابي فاعلا ومحركا للأحداث في هذه الفترة بشكل لا يخفى على أحد.
اجتمع عرابي في بيته برفيقيه علي فهمي وعبد العال حلمي، وانتهى الاجتماع على أن يتقدموا بعريضة إلى رئيس الوزراء تتضمن عزل عثمان رفقي وزيادة عدد الجيش إلى ثمانية عشر ألفا وإقرار الدستور الموعود، وبالقطع فإن تضمن هذه المطالب أمرا يخص الدستور وسرعة إقراره ينفي بشكل قاطع فئوية المطالب التي يتحدث عنها البعض- وفي حالة عدم استجابة رياض باشا ترفع العريضة للخديوي، وكان ذلك في فبراير من العام 1881، وتكرر الأمر في مظاهرة عابدين الشهيرة في سبتمبر من العام ذاته، بعد أن أضيفت مطالب أخرى تتعلق بإقالة وزارة رياض باشا، وانتخاب مجلس شورى النواب، وإعطائه كافة الصلاحيات.
لم يستطع الخديو رد المطالب التي تقدم بها عرابي فقام بعزل الحكومة وتكليف شريف باشا بتشكيل الوزارة، وفرح المصريون فرحا شديد لهذا الانتصار، لكن توفيق وأعوانه كانوا يدبرون لمكيدة تبرر التدخل الأجنبي في البلاد، فدبروا مذبحة الإسكندرية التي اتخذها البريطانيون ذريعة لاحتلال البلاد بحجة حماية الأجانب، وحتى تفي مصر بالتزاماتها المالية تجاه الدول الدائنة.
استطاع عرابي أن يمنع قوات الاحتلال من التقدم غربا، بل أنه أوقع بهم الهزيمة في كفر الدوار مما اضطر القوات البريطانية لتغيير مسار الحملة إلى ناحية الشرق، وكان ديليسبس قد تعهد أن تبقى القناة على الحياد، وأنه لن يسمح بمرور السفن البريطانية فيها، ولكنه لم يلتزم بما وعد به عرابي، وكانت الهزيمة في التل الكبير نتيجة حتمية للخيانة الهائلة التي قوبل بها، إذ قام أحد الضباط ويدعى علي بك يوسف خنفس، بتسليم الرسم الكروكي للخطة الحربية التي وضعها عرابي للورد ولسلي، كما قام سلطان باشا برشوة عدد كبير من الضباط حتى يخذلوا عرابي، كما تعاونت القبائل البدوية بتلك المناطق مع المحتل ويسرت له طرق التقدم لمفاجأة الجيش المصري؛ فكانت الهزيمة التي لم يكن منها بد مع اعتراف عرابي بالتقصير في أمور عديدة.
إن كثيرا من وقائع التاريخ وشخصياته يمكن أن تكون محل اختلاف معتبر، ويبقى التناول للعلمي لها هو الفيصل.. أما الاجتزاء والاجتراء، وكيل الاتهامات التي لا يقوم عليها دليل قاطع فهو مخاصمة للمنهج العلمي ومجانبة للإنصاف لا تصمد كثيرا، وإن لاقت رواجا لبعض الوقت عند أصحاب الأهواء.. رحم الله الزعيم عرابي وأثابه على ما قدم، وألهمنا العبرة من دروس التاريخ حتى نعي أين نحن الآن.. فوالله ما أشبه الليلة بالبارحة.