معمار الديكتاتور.. عن تداخلات العمارة والسياسة (1)

ثمة ارتباط وثيق بين الديكتاتورية والعمارة، وهذا الارتباط إنما يرجع إلى طبيعة الديكتاتور، الذي يصنف علماء النفس حالته بأنها أقرب ما تكون لاضطراب الشخصية السيكوباتي، ورغم ما تبدو عليه شخصية الديكتاتور من الثبات الانفعالي الظاهري الذي يرتكز على انعدام الشعور بالذنب؛ إلا أنه –في الحقيقة- يكون أسير مخاوف عديدة تدفعه –طوال الوقت- لاتخاذ خطوات استباقية؛ يرى أنها ضرورية لتأبيد حكمه، ودعم بقائه.. والديكتاتور –بطبيعته- مُعادٍ لحركة التاريخ التي تقوم على انسياب الزمن ما بين الماضي بقوة تأثير أحداثه، والمستقبل بما تفرضه شروط تحققه من اعتبارات؛ لذلك فهو يحاول جاهدا تثبيت الزمن، بضرب البدائل والترهيب من خطورة المآلات؛ ولأنه يحاول –طوال الوقت- التخلص من إحساسه بالدونية –يسعى لإثبات وجود ذاته التي تنزع نحو التضخم كـ (ميكانيزم دفاعي) بالبناء والتشييد الذي لا يكون له مردود إيجابي على الشعب، فهو إما يخدم فئة بعينها تشكل القشرة الداخلية للنظام السلطوي، والتي ترتبط بمصالح قوية معه، وتتداخل مع قلبه الصلب، وفق قواعد محددة، وإما أن يكون الديكتاتور لديه نزوع نحو تخليد ذكره، فيكون توجهه المعماري نحو الأضخم، والأكبر مساحة، والأعلى ارتفاعا، مما يمكن من خلاله تحديد عدة سمات لما يمكن أن نطلق عليه معمار الديكتاتور.

صرح فرعون أداة ديكتاتورية للتضليل

إن التاريخ حافل بالأمثلة التي تؤكد استخدام الديكتاتور للمعمار لتحقيق بعض أهدافه، أو الانتصار على شيء من مخاوفه، كالتأثير الدعائي الذي استخدمه فرعون في قصة الصرح التي وردت في سورة القصص “وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَأيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ(38)” إن الديكتاتور هنا يستخدم المعمار كوسيلة لإثبات أمرين: الأمر الأول هو صدقه في زعم ألوهيته بإبداء استعداده للتأكد عمليا من حقيقية إله موسى، الأمر الثاني هو تراجعه عن هذا القرار لغلبة الظن بأن موسى كاذب، وهو بذلك يكون قد انحاز للشعب بعدم تحميله عناء بناء الصرح، بعد دخول بني إسرائيل فيما يشبه التمرد! ونحن لا نستطيع أن نجزم هل أقيم هذا الصرح بالفعل أم لا، خصوصا إذا علمنا أن “هامان” كان رجل دولة يميل إلى الحيلة، والاقتصاد في العمل، ويلجا إلى التأثير المباشر على الجماهير بوسائل أخرى، وأغلب الظن انه من اقترح فكرة الاستعانة بالسحرة!

هدم باريس من أجل تسهيل قمع الثورة

يذكر –أيضا- أنه في عام 1853، وعقب قيامه بانقلاب على الجمهورية –قرب انتهاء ولايته الرئاسية- وإعلان نفسه إمبراطورا استدعى” نابليون” الثالث أحد كبار موظفي الإدارة -حاكم منطقة السين- وكان يدعى “جورج يوجين هاوسمان” ولم يكن معماريا كما أشيع عنه بعد ذلك؛ لإعادة تخطيط باريس بحيث تكون الشوارع عريضة، ومستقيمة تماما وتفضي جميعها إلى ميادين، يسهل نصب المدافع فيها؛ وتحرك القوات الحكومية بمعداتها منها وإليها؛ لمواجهة أي تحركات ثورية.. وفي سبيل ذلك أقدم “هاوسمان” على وضع خطة نُفّذت على ثلاث مراحل تم خلالها “هدم (19730) مبنى تاريخيا وتشييد (34000) مبنى جديدا على أنقاضها. وأُزيلت الشوارع القديمة لتحل محلها جادات طويلة عريضة تحفها عمارات سكنية من الطراز الكلاسيكي الجديد بواجهات من الحجر الأبيض”.

ولقد اعتبر كثيرون ما حدث بمثابة جريمة، فكتب رجل الدولة الشهير “جول فيري” الذي عاش حتى اواخر القرن التاسع عشر ينتقد “هاوسمان” وما سماه “انتصار الابتذال والمادية المريعة التي سننقلها إلى من يأتون بعدنا”. وفي القرن العشرين انتقد المؤرخ “رينيه ايرون فيليفوس” ما فعله “هاوسمان” قائلا “إن البارون “هاوسمان” نسف سفينة باريس القديمة بطوربيد وأغرقها في عهده.. ولعل ذلك كان أكبر جريمة ارتكبها حاكم منطقة.. إن عمله ألحق اضرارا بالمدينة أكثر مما يخلفه مئة تفجير”.
ومن الطريف أنه عندما تقدمت قوات الحلفاء لتحرير المدينة من القوات النازية عام1944، أصدر “هتلر” أوامره للحاكم العسكري لباريس آنذاك الجنرال الألماني “ديتريش كولتيتس” بتدمير المدينة؛ لكن الأخير رفض تنفيذ الأوامر، وقال” إن باريس مدينة أجمل من أن تنتهك”.

هتلر وحلم “جيرمانيا” عاصمة العالم

ويعد “أدولف هتلر” من الأمثلة الصارخة على محاولة الديكتاتور فرض وجهة نظره المعمارية التي ترضي أهواءه أو نزعاته المرضية.. كان “هتلر” يطمح -في صباه- أن يكون معماريا، لكن ظروفه حالت دون ذلك؛ بيد أنه ظل مفتونا بالطراز المعماري الروماني؛ لذلك أراد فور وصوله للحكم عبر صناديق الاقتراع في انتخابات ديمقراطية سليمة لم تشبها شائبة- أن يعيد تصميم المدن الألمانية وفق هذا النموذج، وأحيا حلمه القديم “جرمانيا” عاصمة العالم معتمدا على المعماري “ألبرت شبير” الذي كانت أولى مهامه إنشاء ملعب ” Zeppelin-Field” في مدينة “نورمبرغ” الذي يتسع لـ (340000) متفرج، وتُجرى فيه المسيرات الضخمة الرسمية والدعائية، كما ظهر في فيلم انتصار الإرادة للمخرجة ” ليني ريفنستال”.

أراد “هتلر” لمباني “نورمبرغ” أن تبقى لآلاف السنين كالآثار الرومانية، شاهدا على عظمة الرايخ الثالث، فتبنى مفهوم “شبير” المعماري الذي أسماه بالأطلال، وأمر أن تكون كل مباني الرايخ مطابقة للمواصفات الهندسية والجمالية لهذا النموذج.
لقد حاول “هتلر” أن يتجاوز أحداث الواقع بعد أن أدرك أن الهزيمة واقعة لا محالة، وأن النهاية باتت وشيكة- بالقفز إلى المستقبل من خلال تحفته المعمارية التي حلم بها..”جيرمانيا” عاصمة العالم التي ستقوم من رماد “برلين” لتبعث أمجاد الحضارة الرومانية التي اعتبرها أول الحضارات الآرية.. لكن كل ذلك تحول إلى كابوس لم يبق منه سوى” الرايخستاغ”.

يرى الديكتاتور في المعمار أحد مظاهر تعظيم القوة، كما يرى أن الصروح المشيدة توحى للعامة باستقرار الحكم وثباته، واستحالة إزاحته، كما أن الأسوار العالية حول المدن أو المباني الهامة تلقي في روع الناس الهلع والخوف مما يمكن أن يخرج من ورائها للفتك بهم إن هم فكروا ذات يوم في التبرم على سوء الأوضاع أو الشكوى من تردي الحياة في شتى مظاهرها.. والحقيقة أن معمار الديكتاتور هو تجسيد لمخاوفه بأكثر ما هو صورة من صور تجبره، ويشهد التاريخ أن تلك الصروح ما لبثت أن انهارت تحت أقدام الحالمين بفجر جديد ربما طال انتظاره.