معمار الديكتاتور.. عن تداخلات العمارةو السياسة (2)

يعتمد الديكتاتور عددا من الممارسات كمتنفس لكثير من الصراعات الداخلية التي تنهب روحه، إنه يحاول –طوال الوقت- أن يبدو على غير حقيقته، إنه يتماهى مع أكاذيبه حتى يصعب عليه التمييز بين الحقائق والأمور المختلقة.. إنه في رحلة هروب دائمة تبدو آثارها واضحة جدا في نموذج المعمار الذي يعتمده، الارتفاع الهائل تعويض عن الانحطاط.. الضخامة لتقليل الإحساس بالضآلة والضحالة، التشابه، التكرارية، النمط.. آليات اختباء، كثرة الغرف –وصلت في عدد من المباني إلى عدة آلاف- تعدد المداخل والمخارج، وفرة الدهاليز واللوبيات والطرقات، تعكس الرغبة في التضليل، وتوقيف الزمن والاندفاع نحو بث روح اللاجدوى لدى الجماهير.. إن معمار الديكتاتور هو صورته الصادقة المأزومة المأسورة في تناقضاتها التي يمارس من خلالها إظهار عدائه للتاريخ وبصماته على الأرض.. التي لا يتردد في محوها أو ازدرائها أو طمس جمالها بالهبوط بالذوق العام إلى أدنى مستوياته بترويج كل ما هو قبيح وشائه، كما يصدِّر خوفه من المستقبل وانعدام شعور الأمان لديه إلى الجميع اتساقا مع خطه العام بإلقاء الأعباء على الجماهير، وربما كان هذا الأمر يحمل تفسيرا لرغبة الديكتاتور الدائمة في تحويل حياة الناس إلى جحيم مستمر، دون فرصة لالتقاط الأنفاس.. وفي كثير من الأحيان رأينا ما يتكلفه معمار الديكتاتور من أموال طائلة تقتطع من كسرة الخبز وجرعة الدواء دون أدنى وازع من ضمير.. معمار الديكتاتور كتاب مفتوح يفضح أدق تفاصيل شخصيته التي تمور بالتناقضات والصراعات رغم أنه يحافظ –طوال الوقت- على اتزان زائف يخدع الكثيرين.

أوتيل موسكو

الطغاة وتقمص دور البنائين العظام
يشير المعماري العراقي الدكتور علي ثويني إلى وجود علاقة قوية بين الطغاة والعمارة في سياق الفكرة الشمولية المبررة للاستبداد إذ يلعب الهاجس التاريخي، وحالة الذعر الداخلي من المصير المجهول دورا في اندفاع الطغاة، إلى تقمص روح حماة الحضارة ورجال التاريخ البنائين.. ويوجد ثمة اختلاف بين الديكتاتور الذي يمثل منظومة فكرية معبرة عن نظام شمولي مؤسسي صارم كـ (ستالين) وآخر يعتبر نتاجا لانهيار الدولة وقرب فنائها –حسب ما يرى ابن خلدون- فالأول يمارس ممارسة معمارية ممنهجة تنطلق بمسوغات حداثية، وتتبنى طرزا تعبر عن بشكل ما مضمون مختزل للفكرة، متجاوزة –في معظم الأحيان- الجوانب الجمالية، وهو ما تجسد بشكل واضح في مبنى “أوتيل” موسكو، ومباني جامعتها، والمجمع الستاليني في العاصمة البولندية “وارسو”.

ويلمح د. ثويني إلى أن تلك العمائر اقترنت بمنهجية “بوليسية” في أجواء يغلفها التكتم والسرية؛ فجاءت” ثقيلة خالية من روح شفافة وجمالية وانفتاح، بما يحاكي النزعة في النأي عن سوي الأمور وصريحها.. وهكذا بدت هذه المباني مخيفة وصماء ومكتومة”.

“تشاوشيسكو” عدو “بوخارست” المَوتُور
وهناك نماذج كثيرة تمثل النوع الثاني من الطغاة أشهرهم على الإطلاق في العصر الحديث ديكتاتور رومانيا “نيكولاي “تشاوشيسكو” الذي امتدت فترة حكمه لنحو ربع قرن، انتهت بثورة شعبية أطاحت به، وتم إعدامه رميا بالرصاص هو وزوجته بعد أيام من اندلاع الثورة.. يمثل “نيكولاي” نموذج الديكتاتور المنتقم المعادي للحضارة والمدنية لكونه نشأ فلاحا معدما في قرية من أفقر قرى رومانيا، ولم يحصل “تشاوشيسكو” على أي مؤهلات علمية؛ لكنه وصل إلى السلطة بدعم “سوفيتي” وسرعان ما أظهر ذلك الريفي الكريه عدوانه المضمر تجاه “بوخارست” المترفة الملقبة بـ”باريس” الثانية؛ متذرعا بـالصراع الطبقي محولا المدينة التاريخية في سنوات لعاصمة للقمع، وميدانا لهدم التراث والعمران ومحو الفنون خاصة الموجود منها في أحياء بوخارست الراقية.

في العام 1984، وعقب عودته من زيارة لكوريا الشمالية قرر “تشاوشيسكو” بناء قصر منيف في مركز العاصمة الرومانية اختار موقعه بنفسه على ربوة تشرف على المركز التاريخي والديني للمدينة، ونهر (دنبوفيتسا) المخترق للمدينة، وبما أن ذلك التل “الأكروبولي” كانت تتربع عليه كنائس المدينة القديمة و أحيائها التي تضررت من جراء الزلزال الذي ضربها عام1977، كان ذلك مبررا كافيا لأن يعلن عن خطته في تقويض المنطقة التاريخية، وإحلال قصره محلها، وتشريد أهل تلك المنطقة ونقلهم إلى أحياء شديدة البؤس على أطراف المدينة.. وتمت الجريمة وهدمت فيها “كنيسة “أيني” المبنية عام 1724، وكنيسة القديس “أيليا” في “راهوفا” المبنية عام 1747، وكذلك دير الإقطاعي “ميخاييل فودا” المبنية عام 1589، . وبيت شركس التركي المبني على الطراز القوطي الجديد، ناهيك عن ثروة أركيولوجية تذكر بماضي المدينة العثماني الإسلامي، وخاناتها ومساجدها وأسواقها وقيسارياتها التي كانت قد شُرع في تقويضها ابتداء منذ خروج العثمانيين عام “1878.. باختصار لقد تم محو خمس مركز المدينة من الوجود.

تشاوشيسكو وزوجته لحظة القبض عليهما

قصر الأحلام الذي صار كابوسا
أقيم القصر الذي سمي بقصر البرلمان، واعتبر ثاني أضخم مبنى إداري في العالم بعد البنتاجون- على مساحة تجاوزت نصف مليون متر، شغل البناء أكثر من نصفها، بارتفاع يصل إلى 84مترا، وتكون المبنى من اثنى عشر طابقا، وثمانية تحت الأرض، إلى جانب نفق امتد لنحو40 كيلو مترا.. ولنحو خمس سنوات عمل في القصر سبعة عشر ألف عامل، وقامت الأجهزة بحملات دعائية تدعو المواطنين إلى التقشف من أجل إتمام بناء القصر، الذي استورد “تشاوشيسكو” من أجله كثيرا من المعدات والخامات أشهرها صفقة الأسمنت الهائلة من استراليا.

كما أحيط القصر بمجمع حضري متكامل ضم ميادين وحدائق ومراكز تجارية وسكنية تخص الطبقة السياسية والأمنية والحاشية، ومعظمهم ممن أتى بهم “تشاوشيسكو” من أهل الريف الروماني، وكانت السلطات الشيوعية تمنح هؤلاء الريفيين امتيازات هائلة.

يقول د. ثويني أن الديكتاتور أراد أن يجمع في قصره كل الطرز المعمارية ” فجاء طراز القصر خلاسيا ملقطا ونشازا في أكثر أجزائه بالرغم من البذخ والاختيال والصرحية التي يتمتع بها. ويذكر العاملون بأنهم هدموا إحدى السلالم ثمانية مرات وفي التاسعة وافق عليه الديكتاتور، بعد أن استشار زوجته في الأمر. وعلى العموم فإن طراز بناء قصر “تشاوشيسكو” يحوي في ثناياه عناصر معمارية شرقية كالقناطر والمعالجات ببعض العناصر الزخرفية الناتئة”.

كان التكتم شديدا على ما يجري داخل القصر من إنشاءات تحاكي في بذخها قصور الأساطير.. حتى أن العمال حبسوا داخل الأسوار ومنع عليهم الاختلاط بالعامة.. وفور إعدام الطاغية في 25 ديسمبر 1989، اندفعت الجماهير باتجاه القصر، وتم اقتحامه.. وسادت حالة من الذهول كل من دخله من هول ما رأوا من بذخ الإنفاق بينما كان الشعب الروماني يضطر للوقوف في طوابير بالساعات ليحصل على قليل من الخبز والدواء.. ورحل الديكتاتور حتف أنفه، وبقي معماره شاهدا على إجرامه وسفهه وجنونه وولعه بالخلود وعداء التاريخ وتثبيت الزمن دون جدوي.. وتلك هي طبائع الأمور.