مستر إبليس: كيف تفسر الشر؟

في مؤتمر صحفي مفاجئ، ظهر إبليس بهيئته للناس، وأدلى بتلك التصريحات التاريخية بلغة إنجليزية عالية الجودة:

الآن حان وقت الخير، لم يعد للشر تواجد بعد اليوم في العالم، فلقد أعلنت توبتي لكل بني البشر، وسأذهب أنا وأولادي الأبالسة للتعبد والاستغفار بعيدا عن الأنظار!

لاداعي للمزيد للقاءات الصحفية فلست من هواة الأضواء…

التوبة النصوحة لاتكون أمام الناس، ولكن لأن من شروطها إرجاع الحق لمن ظلمتهم، اضطررت للتوبة العلنية والاعتذار

أرجو أن تسامحوني فقد كنت متكبرا، غلبتني الأنانية وجاءتني الفرصة مرتين من قبل للتوبة والاعتذار ولكني تعاليت، وهي رسالة لكل فرد بأن ينزع رداء أنانيته ويتواضع لخالقه.

حان الوقت لأن تتعافى الانسانية وترتقي طالما لم يعد لي تأثير عليها…

سؤال مستر إبليس: لماذا بعد كل تلك العقود؟

صحفي آخر: هل يقبل الله توبتك؟

هل الله موجود أصلا؟ هل رأيته؟

هل شاهدت المسيح؟ هل محمد نبي؟

من يثبت لنا أنك إبليس حقا؟

مستر إبليس: كيف بدأ الخلق؟؟

……..

إبليس: كفى! قلت ماعندي، لن أجيب عن شيء، في رعاية الله!!!!

ويلكم! لقد غرق أهل الأرض من أجلكم!

كانت الصدمة كبيرة لأتباع التيارات الدينية المتشددة، تلك التي تقدس السلف وتعتبر تفسيراتهم وفتاواهم تناطح قداسة النصوص الدينية نفسها، فقد عاشوا على كون إبليس، هذا المخلوق المتمرد، هو مصدر الشر الرئيسي الذي لايمكنه أن يتوب، وإن تاب فلن يقبل الله منه شيئا، لكن دموع إبليس في المؤتمر أثارت في وجدانهم تساؤلات عن رحمة الله وعدالته، خاصة وهم يتداولون مرويات تتحدث عن قبول الله توبة رجل قتل مائة نفس! لكن مابال إبليس وقد تسبب في هلاك أجيال بأكملها!!!

وهل بالفعل تعرض إبليس لفرص أخرى للتوبة؟

ذكر السيوطي في الدر المنثور[1] هذا الحديث: أخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر في مكايد الشيطان عن أبي العالية قال‏:‏ لما رست السفينة سفينة نوح عليه السلام إذا هو بإبليس على كوثل[2] السفينة‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ فقال له نوح عليه السلام‏:‏ ويلك قد غرق أهل الأرض من أجلك‏.‏‏قال له إبليس‏:‏ فما أصنع‏؟‏ قال‏:‏ تتوب‏.‏ قال‏:‏ فسل ربك هل لي من توبة‏؟‏ فدعا نوح ربه، فأوحى إليه أن توبته أن يسجد لقبر آدم‏.‏ قال‏:‏ قد جعلت لك توبة قال‏:‏ وما هي‏؟‏ قال‏:‏ تسجد لقبر آدم‏.‏ قال‏:‏ تركته حياً وأسجد له ميتاً‏؟‏‏!‏‏.

ولكن لأن الحديث ضعيف الإسناد، فقد وضعه خبراء الرواية في زمرة المنكرات، وبات أي افتراض عن إمكانية توبة إبليس حديثا خياليا لايليق…

ولكن هاهو إبليس يعود ويؤكد بنفسه توبته، بل ويثبت رواية وحدث كان قد أنكر حدوثه التقليديون من علماء الحديث والتفسير، ففي الفتوى على موقع إسلام ويب، مانصه: وعلى ذلك، فإن على المسلم أن يعتقد أن إبليس لن يتوب وسيظل على كفره حتى يتحقق فيه الوعيد بدخول جهنم والعياذ بالله تعالى[3]، وهي الفتوى التي استند إليها الكثير من المتدينين على شبكات التواصل تعليقا على المؤتمر التاريخي، وانتشرت أيضا فتاوى السلفيين كأمثال رد الشيخ عبد الرحمن السحيم الآتي: “هذا لا يصح، فلم يكن لإبليس توبة بعد أن لعنه الله وطرده، ولا يصح أن يُؤمر إبليس بالسجود لآدم عليه الصلاة والسلام بعد موته، فلا يصح السجود إلى القبر، والله قد قال وقوله الحق ووعَد ووعده الصِّدْق أن يُنظر إبليس إلى يوم القيامة، وأنه لا سبيل له إلى التوبة؛ لأن لعنة الله قد حَلَّتْ عليه إلى يوم القيامة، مع ما فيها من أمر إبليس بالسجود للقبر !

وهذا لا يُقِرّه دِين، والسجود لآدم حينما خلقه الله سجود تكريم، وليس سجود خضوع وعبادة، على أن أصل السجود امتثال لأمر الله تعالى، وليس سجودا لآدم مِن أصْلِه” .[4]

في البدء تعالت صيحات التمرد والرفض، والتشكيك في ماهية إبليس نفسه، لكن يتضح شيئا فشيئا أن هذه اللهجة المتشنجة، تخفي وراءها اهتزازا كبيرا على مستوى العقيدة والثقة فيما تناقله علماؤهم وأورده فضلاؤهم!

وهنا أتت المفاجأة! حيث ردود الأفعال الشعبية وقفت في غالبيتها ضد تلك الفتاوى التي لاتتعارض هذه المرة مع ما رآه الناس بأعينهم! واعتبر هاشتاج (ويلكم! لقد غرق أهل الأرض من أجلكم) أكثر العناوين متابعة على شبكة تويتر، باعتباره يتهكم على استمرار إنكار هؤلاء الفقهاء لمايحدث، متهمين إياهم بإغراق عقولنا طيلة قرون من الزمان مثلما تسبب إبليس في غرق م يمتثلوا لدعوة نوح من قبل!

شوبنهاور يتهم الإنسان!

أما على الصعيد العالمي، انتشرت الأسئلة الوجودية حول شبهة الشر مرة أخرى، خاصة مع عدم انحسار الشرور والجرائم كما ادعى إبليس! وتزايدت الأطروحات التي تفصل الشر عن إبليس وتقرر كون الشر أصيلا في الإنسان كما يصرح شوبنهاور والقائل في غير موضع: “إن الحياة مضحكة، ولكنه ضحك كالبكاء، فلو استعرضنا حياة الفرد في مجموعها وأمعنا النظر في أبرز معالمها فقط لوجدنا مأساة في الحقيقة، أما إذا تناولنا ما في تفاصيلها لوجدناها ملهاة مضحكة. أمام كل هذه الآلام والكوارث ألايكون التفاؤل سخرية من ويلات البشر؟”[5]والذي تضاعفت معدلات مبيعات مؤلفه: “العالم – إرادة وتمثل” بحيث كان يتمنى العيش في تلك الأيام حتى يشكر إبليس على انتشار مؤلفه المتشائم!

وكانط يبرؤه!

مرة أخرى تطفو فلسفة  “عمانوئيل كانط” على سطح المباحثات الفكرية، وتقدم عديد من الأكاديميات دورات مبسطة لتفسير فلسفة كانط ورؤيته للدين والشر والعالم، وطبعا يتم إقحام كلمة إبليس في دعايا تلك الدورات الربحية. وللحقيقة فقد قدم كنط من قبل تفسيرا عقلانيا للشر، لايرتبط بمصدر معين بقدر مايعزو وجوده إلى حكمة إلهية اقتضت أن يكون الإنسان حرا ومختارا، وعلى هذا فمن لوازم تلك الحرية أن يكون بنو البشر مستطيعون فعل الشر دون إجبار، وبهذا تكون لحريتهم تواجد حقيقي وليس مجرد حبر على ورق، ويعتبر كانطأن وقوع آدم في الخطيئة نتيجة إغواء الشيطان يؤكد أن طبيعة آدم لم تكن شريرة، لأن وقوعه في الشر جاء نتيجة عامل خارجي، لانتيجة لطبيعة شريرة متأصلة داخله وتنبع من طبيعته الإنسانية نفسها، ولكن في نفس الوقت لم يقدم كانط تفسيرا تفصيليا للحكمة وراء معضلة الشر، واكتفى بما نقله عنه الدكتور محمد عثمان الخشت بقوله: “يرى كنط أن الشر موجود في العالم، وأن المدافعين عن الحكمة الإلهية من وجوده أشبه بالتلاميذ اللاهوتيين الذين التفوا حول النبي أيوب عند ابتلائه محاولين تكشف حكمة الله من جراء هذا الابتلاء.

وينتهي كنط إلى تسجيل العجز الإنساني عن الوصول إلى اتساق بين الله كمنظم للحياة الأخلاقية وبين أعمال الله في الطبيعة. وإزاء هذا العجز فليس أمام الإنسان إلا الإيمان الأخلاقي بالله دون محاولة التوصل عن طريق العقل النظري إلى طبيعته ومقاصده، لأن هذا مما يفوق حدود العقل الإنساني الذي لايمكنه مجاوزة عالم الظواهر.”[6]

إبليس موجود لكن الشر عدمي!

هل يعقل ذلك؟

هذا ماقاله الفلاسفة المسلمون من قبل، فالشر ماهو إلا انعدام الخير، كما أن الظلام تلاشي للنور، والبخل غياب للكرم، والجبن لايعني إلا تدنيا في مستوى الشجاعة، يقول ابن سينا: “فيقال شر للنقص، الذي هو مثل الجهل والضعف والتشويه في الخلقة”[7]

وإن رمزنا للقيم الخيرية بمعدلات رياضية موجبة: العلم، والحكمة، والعدالة، فإن نقيضها يأخذ قيما سالبة، كالجهل والحمق والظلم مثلا، ولكن تلك المعاني السلبية تأخذ مسميات “اعتبارية” وليست حقيقية، إلا أن المعضلة أن غياب القيم والمعاني الوجودية الحقيقية يتسبب في تولد الشر، وينتج عنه الآلام والمآسي لبني البشر…

ولكن مهلا: هل قلت الآلام؟

إن الألم الجسدي أيضا يعبر عن غياب في وظائف أعضاء الإنسان! فآلام القلب والأطراف والمرارة والكلى والغدد وغيرها تسببها مؤثرات خارجية (كالعدوي البكتيرية والبتر للأطراف مثلا) أو خلل داخلي متمثل في نمو الخلايا السرطانية نتيجة عوامل دخيلة تعطل من وظائف الأعضاء وتتسبب في غيابها فيما بعد، مما يسبب الضرر الناتج عنه الألم… والغياب في وظائف العضو أمر عدمي هو الآخر. حتى وإن كانت له آثار.

وماذا عن إبليس؟

لايعدو إبليس إلا أن يكون مثالا قويا لمخلوق كان لديه الإرادة لفعل الخير، لكنه أبى وعاند المشيئة الإلهية، فتولد الشر بداخله وكبر وترعرع حتى صار وكأنه يبدو مصدرا للشر في أعين بعض المخدوعين، ولكن وكما تبين من موقف الفلاسفة فالشر ليس موجودا بذاته كي نبحث له عن مصدر، كل الحكاية أن إبليس رفض الخير فغاب عنه آثاره ومن هذا الغياب سمينا كل أفعاله (غير الحميدة) شرا…

وكل إنسان إن تعرض لموقف إبليس وحذا حذوه لأصبح إبليسا في نفسه، وشيطانا من شياطين الإنس، الذين قال الله فيهم: “كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَمَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ”[8]

إن تأثير الشيطان يقتصر على الإغواء الذهني، وتزيين السيئات في عيون البشر، عبر بث الأفكار السلبية والمحبطة، أما مدى استجابة الإنسان للأفكار السلبية – التي يعبر الدين عنها بلفظ الوساوس- فهو على عهدة الإنسان بالكامل، ففي سورة إبراهيم: “وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم”[9] ومن هنا كان كيد الشيطان ضعيفا[10]، لأن الاختيار النهائي للإنسان نفسه، بحيث يستطيع فعل الشر والخير سواء غاب إبليس أم حضر بقوة، أم تاب وأناب!

أما الحديث عن حتمية استمرار إبليس على حالته الشريرة من عدمه، فلن يغير من الأمر شيئا، ولن يكون له التأثير سواء على كونية النظام الذي نعيشه، أو معدلات انحسار الشر، فكما أن في شهر رمضان تغل الشياطين كما تقول المرويات، فإن ذلك لم يمنع الناس من فعل القبيح… وحتى وإن تراجع بريق ولمعان القبائح في أعين الناس بسبب غياب المفعول الشيطاني، لكن بني البشر أعادوا البريق لسوء الأعمال عندما حولوا شهر العبادة والزهد إلى شهر الترفيه والمسلسلات والمسابقات ومشهيات الطعام!

من هنا كان العقل حاضرا في مشهد الحكم على مؤتمر إبليس، فالأمر لايستدعي هذه الضجة ولن يتغير بموجبه شيء،  ليتجلى موقف من يمثلون العقل في “تكبير الدماغ”!

نهاية مفتوحة

في الختام، تساءل المحللول وعاشقو اإحصاءات: هل يساهم هذا المؤتمر التاريخي في تخلخل النسب المئوية للأديان في العالم، بحيثتتراجع نسبة المسيحيين في العالم لصالح أصحاب بوذا، وهل يحل التراجع في بلدان العرب وشرق آسيا لصالح اللا أدرية والإلحاد. مما يعطي الفرصة لبعض المحللين باعتبار أن ما فعله إبليس ربما يكون خدعة أخرى من ألاعيبه المعروفة، ولعلها تكون الورقة الأخيرة… قبل نهاية العالم!

لكن النهاية ماتزال مفتوحة، فلا ستار سيسدل طالما استمر الكثيرون يضعون أيديهم على وجوههم حتى لاترى أعينهم مالايتواءم مع ماعاشوا عليه من أفكار وموروثات اعتادوا على تصديقها بلا عقل أو منطق، وطالما ظلت فكرة الإنكار السطحي والساذج للإله والخير والفضيلة قائمة، واستمر اتهام الإنسان بالشرور والإله بالظلم والدين بالرجعية، وإبليس بالخرافة متواجدا بلا عقل أو منطق…

النهاية مفتوحة بحيث يظل العقل حاضرا، وإبليس موجودا، والشر- رغم عدميته- غير مرهون بالشيطان فقط، ويبقى أكثر الناس لايعقلون!

 

 

[1] جلال الدين السيوطي، الدر المنثور في التفسير بالماثور، الجزء الثامن، تفسير سورة هود آية 40 صـ 35 ط أولى مركز هجر للبحوث 2003م

[2] أي مؤخرة السفينة.

[3]  حكم مقولة ليس لإبليس توبة:  الخميس 6 شوال 1433 -23-8-2012، رقم الفتوى: 185677 على الرابط: http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=185677

[4] موقع المنهج، الموقع الرسمي للشيخ عثمان الخميس، والفتوى على هذا الرابط من الموقع: http://www.almanhaj.com/vb/showthread.php?t=10488

 

[5] وفيق غريزي، كتاب: شوبنهاور وفلسفة التشاؤم، دار الفارابي بيروت، ط أولى 2008م من صـ23 إلى 57 بتصرف واختصار.

[6] دكتور محمد عثمان الخشت، كتاب: مدخل إلى فلسفة الدين، دار قباء للطباعة والنشر، القاهرة 2001م، صـ 35

[7]النجاة في المنطق والإلهيات لابن سينا صـ320

[8] سورة الأنعام، الآية 112

[9] سورة إبراهيم، آية 22

[10] يقول تعالى: فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِإِنَّكَيْدَالشَّيْطَانِكَانَضَعِيفًا (النساء/76)