ماذا بعد القاعدة وداعش؟

يبدو السؤال مشروعا إذا كان العالم وتحديدا القوى الكبرى وبعض القوى الإقليمية لازالت مصرة على استخدام ورقة الإرهاب كورقة للنفوذ الدولي وتحقيق المصالح ورسم الخرائط الجديدة، وإذا كان البعض فى مراحل سابقة عندما كانت القاعدة تتصدر ما يسمى بمشهد العنف تحت عناوين دينية تصور أن نسخة القاعدة كانت أخطر النسخ التى ظهرت، فقد تراجعت هى الأخرى لحساب نسخة أكثر تشددا وغلوا ووحشية، تغذت على أدبيات كإدارة التوحش وغيرها من أدبيات النكاية والفقه النجدي وهى نسخة داعش، التى سطرت أسود صفحات فى تاريخ المسلمين، وأضرت ضررا بالغا بصورة الإسلام الوسطي المتسامح مع الكون بكل مافيه.

 

ظهرت مؤخرا معركة فكرية وفقهية هى فى حقيقتها إعادة تدوير لمعارك فقهية قديمة، هى بنت الفقر المعرفى والعقلى والحضارى وهى معركة العذر بالجهل، وهى مسألة من ضمن المسائل التى صنفها فقهاء السلفية، باعتبارها من مسائل العقيدة التى تخضع للحدية بين أبيض وأسود، إيمان وكفر، حيث اشتعل أوار معركة حامية الوطيس بين فريقين داخل تنظيم داعش، فريق يسمون البنعليون نسبة إلى تركى البنعلى أحد شرعييى داعش، والذى قتل فى يونيو من العام الجارى، والحازميون نسبة الى الداعية السعودى أحمد بن عمر الحازمى المعتقل منذ عامين بالسعودية، وياللمفارقة حرب ضروس تدور بين أتباع لرجلين أحدهما قتل والآخر معتقل.

الأول  تركى البنعلى الشرعى الذى كان يحظى بثقة أبوبكر البغدادى، يرى العذر بالجهل مدعيا أنه يتقيد بالفقه النجدى فى المسألة، متبنيا ما تبناه بعض فقهاء النجدية حول موانع الكفر الأربعة الجهل والإكراه والتأويل والخطأ، أما الثانى أحمد بن عمر الحازمى وهو الأخطر لا يرى العذر بالجهل ويكفر مرتكب الكبيرة وتكفير المعين والعامى وتكفير من لم يكفره، نحن أمام قنبلة تكفير متسلسل تنشطر دون توقف حتى أن أحد الدعاة الحازميون، وهو أبو جعفر الخطاب كفر البغدادي؛ لأنه لم يكفر الظواهري، وقد قتله التنظيم لغلوه وياللمفارقة أصبح التنظيم يحارب الغلو رافعا لواء الوسطية!

 

أحد دعاة هذه الفكرة وقف خطيبا للجمعة فى دير الزور فكفر المصلين الذين حضروا للاستماع اليه، فلم يسلموا من بندقية التكفير التى يحملها على منبر رسول الله، حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسلم من هؤلاء، فقد وصفوه صلى الله عليه وسلم وحاشاه من هذا الوصف، بأنه كان كافرا مشركا قبل البعثة، وأنه أمضى ثلثي عمره  فى الشرك.

تعالت أصوات التيار الحازمى الأكثر غلوا وإقبالا على التكفير ومن ثم الاستباحة والقتل حتى مع رفاق دولة الخلافة المزعومة منذ العام 2014، حيث استوعبت أفكارهم أعداد كبيرة من التونسيين الذىن التحقوا بالتنظيم منذ العام 2013 و 2014، وكان قد سبق وصول هؤلاء إلى أراضي “دولة الخلافة” حصولهم على أفكار التكفير الحازمية عندما تلقوا محاضرات ودروس فى مساجد تونس، التى غشيها هذا الداعية السعودى فى العام 2011 فى أعقاب الربيع العربى حيث دخلت مجموعة كبيرة من العلماء والدعاة من كل المذاهب إلى تونس، التى بدت متشوقة الى الاتصال بعلوم الدين بعد الحقبة البورقيبية وحقبة زين العابدين بن على التى عادت كل ألوان النشاط الدينى، واستلهمت النمط اللائكى الفرنسى المتطرف فى عداوتها لكل ما يتصل بالدين، لذا لم يكن غريبا أن تجنح شرائح واسعة من التونسيين لتبني هذا التصور المنحرف والمتشدد.

فى أجواء أفغانستان تشكلت القاعدة لتهدد أمن العالم كله بسرديتها حول العدو القريب والبعيد وأولوية الثانى على حساب الأول، ثم فى سوريا والعراق اختارت داعش أن تبدأ بالعدو القريب وهو الأنظمة والشعوب العربية والإسلامية.

واليوم تخرج من رحم هزيمة التنظيم فى الحفاظ على دولته مستندا إلى فقه بدوي قديم فكرة التكفير الذي ينطلق من عدم العذر بالجهل، وهى الفكرة التى ستنتج تنظيما أكثر ضراوة ووحشية يقتل فى كل اتجاه.

الأخبار الجيدة رغم أنها لا تبدو كذلك إنسانيا أو شرعيا، أن هذه الفكرة كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله، وخطورة الفكرة ليس فى انتشارها داخل تنظيم داعش، حيث تبقى هذه الفكرة معول هدم يضعف التنظيم، كما يقول أبوحفص الموريتانى مفتى القاعدة السابقة فى تعليقه على ما يمر به تنظيم داعش “إن الانقسام الفكري والتشظي العقدى أخطر بكثير من استنزاف التنظيم فى قادته وخسارته أراض كان يسيطر عليها”.

نحن الأمن أمام مجموعتين يتدين كل منهما بقتل الآخر، المفارقة أن داعش دشنت لجنة تسمى لجنة الرقابة المنهجية مهمتها التفتيش على عقائد عناصرها، ومن يثبت عليه تبنى أفكار الحازمية يتهم بتهمة تسمى “الانحراف المنهجى” باعتبار أن الفريق الآخر لديه استقامة منهجية وحرص على المنهج ولا عزاء لأى عقل أو منهج!

 

قد يرث هذا الاتجاه الجديد القديم داعش لنكون أمام نسخة أكثر وحشية وضراوة مما سبقته قد تساهم فى انهيار التنظيم، لكن الخطورة فى تسرب هذه الأفكار إلى أماكن أخرى لتصبح آلات قتل على وشك الانطلاق فى مجتمعاتنا، وهو ما رشح مؤخرا فى مصر من اكتشاف مجموعة تنتمى لتلك الأفكار، ما يستدعى مواجهة أعمق من المواجهة الأمنية التى لا تستطيع أن تضرب بسهم فى تلك المواجهة، التى ينبغى أن تجيش فيها الطاقات لمواجهة ما بعد داعش والقاعدة.