لماذا خلقتني يا الله…؟!

هل جربت مرة أن تتخطي حاجز الحرج بينك وبين خالقك، فتسأله هكذا بشكل مباشر دون أن تخشي عقابه: قل لي حقاً يا الله.. لماذا خلقتني؟.

يقولون إن المعرفة هي الطريق المختصر لحياة بلا عناء، فإن أدركت ماهية الأشياء سهل عليك التأقلم معها والتصرف في ضوءها بتعقل.. ومن هنا حق لك أن تتساءل عن سبب وجودك والحكمة منه، وربما تتخلص حينها من شقاء الدوران داخل دوامة الحيرة والأسئلة العبثية، وتقول لحالك بملء الفم: الآن.. بت أعرف جيداً لماذا خلقني الله.

لا تنتظر أن يجيبك أحد عن سؤالك الوجودي، فأي إجابة ستحصل عليها لن تريحك بقدر الطمأنينة التي ستسكن قلبك إن تحريت وتقصيت الأمر بنفسك وصولاً إلي حقيقة لن تضل من بعدها أبدا، فلا تضيع مزيداً من الوقت والعمر وابدأ فوراً رحلة البحث عن معني لحياتك، لعلك تصل بأمان إلي شاطئ النجاة، فتموت وأنت علي يقين بأنه كان لوجودك هدف وقيمة.

كن جسوراً وأنت تضع أمام خالقك سيلاً من الأسئلة الجريئة ولا تلتفت لأصوات الخائفين أدعياء التقوي، فخاطبه دون وساطة وبنبرة الشغوف للمعرفة قائلاً: يا الله.. هل خلقتني لأعبدك أم لأعاندك؟ هل يجوز لي أن أتبين حكمتك أم خُلقت لأطيع أوامرك دون نقاش؟ هل ستعذبني إن أخطأت؟ ولماذا وضعتني من البداية في هذا الامتحان العسير؟ هل أردت حقاً اختباري أم رؤيتي وأنا أشقي؟ وماذا سيستفيد كلانا إن نجحت أو أخفقت في امتحانك؟ ولما خلقت الإنسان في كبد؟ ولماذا جعلت جنتك بعيدة كل هذا البعد؟ أليس لي نصيب أن أنعم بها وأنا علي قيد الحياة؟ ولماذا تحاسبني علي خطيئة نبيك آدم؟ فهل تزر وازرة وزر أخري؟ ومتي كان الابن يُعذب بجريمة الأب؟.. هل أجبتني يا الله ليطمئن قلبي كما طمأنت قلب خليلك إبراهيم أم تحسبني في مرتبة أدني منه؟ ألم تقل لنا في كتبك السماوية إن البشر جميعاً سواسية؟.

هذه بعض من أسئلة لطالما ازدحمت بها رأسي، ولكنها كافية لهدايتي وتهدئة روعي إذا ما عثرت لها علي إجابات وافية، فما لا يدرك كله لا يُترك كله، وقد يترسخ إيمانك بقيمة الوجود مع أول إجابة عن سؤال وحيد دون الحاجة لملء باقي الفراغات بإجابات أخري، وحين تصل للمعرفة ستقضي ما بقي من حياتك كالواثق يمشي ملكا.

استفت عقلك وقلبك في كل شئ، واستمع لذاتك دوماً حتي وإن أفتوك بسرد ملايين الأمثلة والروايات والأدلة الروحانية والمادية، واعلم أنك إن سعيت ذراعاً إلي المعرفة ستبلغها حتماً، وسيُقربك الله منها شريطة أن تدركها بعقل متفتح وذهن لم يتلوث بأفكار علي شاكلة: “لو عاجبك الدين خده كده علي بعضه، ولو مش عاجبك سيبه أحسن”!

طرح الأسئلة ليس ضلالاً ولا تحدياً لله بل هو من صميم الخلق، فقد خلقنا المولي بعقول حرة، نؤمن أو نشط في العقيدة، نضل عنه ونشرد بعيداً ثم لا نلبث أن نعود إليه بإرادتنا إن شئنا، فلا سلطان علينا إلا من رؤوسنا، وإلا فلما دعوته إلينا في القرآن بضرورة التفكر والتفقه والتدبر، وهل يُعقل أن يعاقبنا لأننا استجبنا لما حثنا عليه مراراً؟!
السائل ليس بشيطان رجيم وإنما هو التواق إلي المعرفة والباحث دائماً عن اليقين، فقد كان أبو الفلاسفة سقراط يسأل ليعرف، يسأل فقط ولا يوجه أو ينصح، وهو من قال عبارته الشهيرة: “كل ما أعرفه أنني لا أعرف شيئاً”، فرحلة المعرفة تبدأ بسؤال، وأول اسئلتك للمعرفة يجب أن تكون البحث عن إجابة للسؤال العويص: “لماذا خلقني الله؟”.

يجب أن تكون حراً أولاً لتقوي علي طرح السؤال، وعندما تملك حريتك حتماً ستجد أمامك الإجابة جلية تناديك، وإعلم إنها إجابتك أنت وحدك فإذ ربما لا تصلح لغيرك، وهذا لا يعني بالضرورة أن هناك مليار إجابة للسؤال نفسه، ولكن يعني أن هناك وجهات نظر متنوعة بحسب التنوع المعرفي بين السائلين.

ماهية الخلق ليست نصوصاً وأحاديث قيد الجمود، بل تجربة تزداد ثراء بالعلم والمعرفة والاحتكاك، بالصواب والخطا، بالندم علي فعل أشياء والندم لعدم فعلها، فهذا كله سيخلق إنساناً أراده الله أن يهتدي بنفسه لنفسه، وعندما يصل لتلك النقطة يمكنه أن يفهم حديث خاتم الأنبياء محمد حين قال: “من عرف نفسه قد عرف ربه”.

تتحقق الغاية من الخلق حينما يتحقق السلام والعدالة، وحديث الساسة عن حتمية إرساء قواعد حقوق الإنسان هو في صلبه حديث عن الدين، فما أنزل الله رسله ليدعوننا إلي الخضوع أو النفاق أو الاستسلام لواقع بائس وفاسد، بل حثونا علي محاربته لحين الوصول إلي المساواة بين البشر.. وما جاء الله بالأديان ليدعونا إلي الكذب والخيانة والغيبة، بل سما الدين بالفضائل وجعلها غاية في حد ذاتها، فهو من اختار رسولنا الكريم محمد (ص) ليكون “متمماً لمكارم الأخلاق”.

الكثير من المعرفة شرطاً لبلوغ أي حقيقة، والقليل من الصوفية لن يضر ليتسني لك رؤية الأشياء بأبعاد تمزج بين القلب والعقل والروح.. فالعالم والفيلسوف ورجل الدين كلهم أدوا أدوارهم كما هو مرسوماً لهم، والآن جاء دورك لتمد الخط وتصله بينهم لتستخلص من وراءهم حقيقتك أنت الخاصة.

يقول الأديب والمفكر البريطاني جو برنارد شو إنه لا يستحق الحياة من عاش لنفسه، فالخلاص في أن تكون إنساناً، والحكمة من وراء خلقك قد لا تكون في سعادتك بل في إسعاد غيرك، لذا فالصلاة والعبادة تصبح مجرد طقوساً لا طائل منها إذا لم تُترجم وتُختبر وتُوضع داخل إطار التجربة، فقد خلقنا الله لنتعلم ونعمل لا أن يصبح جميعنا رهباناً.

بالنسبة لي فأنا أعرف جيداً لماذا خلقني الله، وإن أردت أن تغش إجابتي فلا بأس، ولكنها لن تُريحك وتمس قلبك بصدق إلا حين تُجرب بنفسك وتخوض رحلتك الخاصة بشقاءها وحلوها وحيرتها.. وهنا اقتبس من برنارد شو نفس عبارته السابقة ولكن بقليل من التصرف لتصبح: “لا يستحق الحياة من عاش بجهله”.. فالمعرفة ستقودك للإجابة بسهولة عن السؤال نفسه: لماذا خلقك الله؟