كوارث على هامش «التأمين الصحي».. تسعير الخدمة ونقص الجودة وضعف التمويل

بعد إهمال عام وتجاهل رسمي طال لأكثر من نصف قرن سوف يصدر قانون التأمين الصحي الاجتماعي الشامل خلال أيام من عرضه على مجلس النواب في دور الانعقاد الثالث، وما زالت هناك تخوفات عديدة حول الأمل الأخير الباقي أمام ملايين المصريين في الحصول على خدمة صحية جيدة، بداية من استدامة التمويل من عدمه، وهل التمويل المخصص له كافٍ، أم سيستمر المواطن في الحصول على خدمات طبية متدنية تدفع المريض للتوجه للقطاع الخاص كالعادة، وما مستوى وجودة الأداء داخل الوحدات الصحية ومراكز الرعاية الأولية، وفي مختلف المستشفيات وهل نخطط حقًا وعلميًا لبناء المستشفيات طبقا للاحتياجات وهل سنخرج قوة العمل الصحية اللازمة بالكم والكيف؟

تخوفات

تساؤلات عديدة مشروعة طرحها المراقبون والمختصون والعاملون في الدفاع عن حق المواطن في العلاج حول القانون الجديد ومشروع تنفيذه، والذي أعطى للحكومة فرصة تجارب أخرى لما يزيد على 13 عامًا، بعد مرور 53 عامًا من التخبط والتجربة، وما إذا كانت هناك بدائل أخرى للإصلاح الشامل بصدق وإرادة سياسية ورغبة حقيقية.

ونظرًا للحالة الاقتصادية للبلاد، فإن الحكومة سوف تطبق القانون على مدار 12 عامًا آخرين للتجربة والالتفاف حول الحق الدستوري المشروع في تأمين صحي اجتماعي شامل، والذي كان قائمًا منذ أكثر من خمسين عامًا.

التخوفات الأكبر بحسب الخبراء في السياسات الصحية تبرز في عدم الجدية في تطبيق القانون، حيث إنه سيطبق أولاً في خمس محافظات من بين 27 محافظة مصرية، وسكان هذه المحافظات يشكلون أقل من 3% من سكان مصر، وسيكتمل تطبيق القانون على مدار 13 عامًا، وستكون آخر محافظات يطبق فيها القانون القاهرة الكبرى، رغم أن بها ثلث سكان مصر ونصف أطبائها.

على خطى أمريكا

كل من شاهد فيلم John Qللممثل الأمريكي الشهير دينزل واشنطن، سوف يتعاطف مع البطل، رغم ما ارتكبه من جريمة في عرف قانون العقوبات، هذا الفيلم يدين النظام الصحي الأمريكي الذي يقدم الخدمة لمن يملك الثمن، وما ارتكبه الأب يعد جريمة بلا شك، ولكنه يدافع عن ابنه مقابل ابنة الطبيب البريئة وجشع الطبيب الذي لم يردعه النظام الصحي القائم، فمن تستطيع أن تدينه هنا؟ الكل مدان وضحية في نفس الوقت.

هذا الفيلم الذي تدور قصته حول “جون”، الأب الذي عانى من التهابات حادة بالمرارة عندما عرف أن نجله الوحيد مولود بعيب خلقي في القلب، ويلزمه عملية زراعة قلب، ولكنه لن يتلقاها، لأن نظام التأمين الصحي الخاص بوالده لا يشمله، ولهذا السبب قرر “جون” الأب أن يحتجز جميع نزلاء وموظفي المستشفى كرهائن، حتى توافق إدارة المستشفى على إدراج اسم ابنه ضمن قائمة الانتظار لعملية زراعة القلب.

الوضع الصحي في مصر لم يختلف كثيرًا عن نظيره في الخارج، الأخطر في مشروع القانون الجديد أن الدولة تحول العبء كاملًا على ولي أمر الطالب، الذي يلزمه بسداد 5% تأمينات من راتبه لكل طفل، و2% للزوجة، وبالنسبة للعمالة غير المنتظمة من غير الخاضعين للإعفاء فيلزم سداد التأمين الصحي عليه وعلى أسرته وعلى أبنائه على أربعة أقساط سنوية (ومجموعهم 8% من دخله المفترض لمن له 4 أطفال)، ويعتبر إيصال سداد التأمين مستندًا أساسيًّا، وإلا يوقف قيد الطالب في المدرسة.

أقصر طريق للخصخصة

ومن أبرز ثوابتالنظام الصحي الحاليّة التي حافظ عليها القانون المطروح، بحسب الدكتور سمير بانوب، الخبير العالمي في التخطيط والسياسات الصحية، المشرف على مشروع التأمين الصحي الأمريكي، الحفاظ على مكاسب القطاع الخاص وإمكان تنميته وتحويل المرضى إليه أو إجبارهم على الالتجاء إليه بوسائل عديدة وتحصيل أتعاب الاأطباء في عياداتهم أو المستشفيات الخاصة من المريض مباشرة عند الكشف وقبل تقديم العلاج، حيث يقتصر العلاج بالقطاع الحكومي على غير القادرين ماليًّا ومن لا يتبعون نظمًا علاجية متميزة أو خاصة.

اللافت أن غالبية نظم التأمين الصحي الاجتماعي في كافة الدول التي تطبقه حول العالم لا تسمح بذلك إطلاقًا، ودور القطاع الخاص بها يقتصر على التعاقد مع نظام التأمين الصحي دون تحصيل قيمه العلاج من المريض أو عند المرض (عدا الرسوم الاسمية أحيانًا) والقانون الحالي بتمويله سيؤدي حتمًا إلى استمرار نظام الممارسة المزدوجة للأطباء ونقص جودة القطاع العام بحسب بانوب.

غياب التمويل

هذا بالإضافةإلى انعدام التمويل الكافي للنظام الصحي والتأمين الصحي وهو ما يزال قائمًا في القانون الجديد، وذلك في حدود 4% من أجور هزلية وكذلك حوالي 5٪؜ من ميزانية الدولة أو حوالي 3٪؜ من الدخل القومي، وهذه النسب في الدول الأوروبيه في المتوسط تبلغ من 10- 15٪؜ من الأجور أو 15- 20٪؜ من الميزانية أو 8- 10٪؜ من الدخل القومي، وهذا هو السبب الأساسي في رفضي للمشروع المطروح بحسب قوله، نظرًا لضعف تمويله الواضح واعتماده علي مصادر غير مستدامة من ضرائب السجائر أو مرور الطرق أو ما يشابهها، فضلًا عن ضعف أجور الأطباء، ما يجبرهم على عدم التفرغ للقطاع العام وقضاء الوقت الأساسي بالقطاع الخاص الذي يشكل المصدر الأساسي لدخول غالبيتهم.

كما أن الدراسات الاكتوارية المخصصة للقانون لم تصحح هذه الدخول، واعتمدت في حساباتها على الأجور الحاليّة، وهذا يعني بقاء الممارسة المزدوجه للأطباء على ما هي عليه، مضيفًا أن الهيئات الثلاثة المقترحة في القانون هي في الحقيقة مجرد هيئات حكومية تتبع أو تحركها وزارة الصحة، ولنا مثال فيما فعلته هيئة جودة التعليم التي أنشئت في عهد حكومة أحمد نظيف في عام 2006، وأين تقع جامعاتنا المصرية في مؤشرات الترتيب العالمي اليوم بعد مضي 11 عامًا من الممارسة ومنح شهادات الجودة ونقل المعايير؟

إشكالية أخرى يطرحها بانوب تتمثل في الحفاظ علي استقلال وسلطة أساتذة الجامعات، ومنها سلطه تعيين أعضاء هيئة التدريس أو الترقيات أو قبول الطلبة أو اختبارهم أو منح الشهادات، خاصة التخصصية أو الدراسات العليا، وكذلك انعدام الرقابة على أدائهم وانتظامهم في خدمات المرضى والطلبة، أو تحديث المناهج العلمية آو الأبحاث العلمية بما يتلائم مع المستويات العالمية حتى في الدول النامية، مع انشاء نظام صوري أو سياسي للتدريب الإلزامي للأطباء بدلًا من مجلس طبي مستقل،  وقد أدى ذلك كله إلى التدهور المستمر في مستوى التعليم الطبي والتمريضي والفني والإداري في مجال الصحة.

ما الحل؟

واختتم بانوب تصريحاته بالحلول اللازمة للخروج من كل ذلك، والتي تتلخص في عدة محاور رئيسية لابد من تنفيذها داخل قانون التأمين الصحي الاجتماعي الشامل للوصول إلى نظام حقيقي وصادق للإصلاح الصحي الشامل تتمثل في الإصلاح الشامل لأربعة عشر محورًا في قطاعات الصحة.

تلك المحاور تتمثل في حسن تخطيط وإدارة قوة العمل الصحية، والتدريب والتعليم الطبي والتمريضي والإداري والفني المتواصل مع تمويل الخدمات الصحية تمويلًا حقيقيًّا وكافيًا بالإضافة إلى إعادة النظر في تطبيق منظومة التأمين الصحي على المحافظات الكبرى أولًا، كالقاهرة والجيزة والدقهلية وأسيوط وتخطيط المستشفيات بدلاً من تغيير الرخام والأجهزة الطبية وتحديث مستشفيات الحميات والصدر التي أوشكت على الانقراض من إفريقيا.

وأكد بانوب أن الحالة المالية للبلاد لم تعد تحتمل هدرًا أو إسرافًا في غير موضعه، وأن المصريين، خاصه الفقراء منهم، ينفقون أكثر من 25٪؜ من دخلهم على العلاج الناقص في القطاع الخاص، ومن لا يملك المال منهم يموت دون شك، أو تستمر معاناته من المرض وآلامه ومضاعفاته الجسيمة.

نظام سيئ السمعة

“هذا نظام صحي فاشل، ولا يقدم الخدمة الصحية لمن يحتاجها، بل لمن يملك ثمنها”، بحسب الدكتور بسيوني سالم، المدير السابق لهيئة الاعتماد والجودة والخبير الصحي، الذي أوضح أن قانون التأمين الصحي بوضعه الحالي لا يفيد أحدًا من الفئات الأكثر احتياجًا لخدماته، ولا يدفع ثمن تكلفة الخدمة الحقيقية لمقدمي الخدمة.

إضافة استمرار إهمال الجودة وتفشي الفساد في المجال الصحي في مستشفيات القطاعين العام والخاص على حد سواء، ومنها الرشاوى والعمولات وتحويل المرضى للقطاع الخاص وإجراء علاجات أو أبحاث غير ضرورية والاتجار في الأعضاء البشرية وغيرها من الانحرافات.

وأضاف سالم لـ “البديل” أنه لا يمكن أن نعتمد على جهود المجتمع الخيرية فقط، لإقامة نظام صحي، فهي مجرد مسكنات، وليست حلولًا قاطعة وقدرتها محدودة في التعامل مع مشاكل بهذا الحجم، وهذا القانون سينظم إلى حد كبير القطاع الطبي الخاص، حيث لا يوجد دفع مباشر من “جيب” المواطن إلا للمساهمات فقط بحد أقصى.

في المقابل ستتولى هيئة التأمين تسعير الخدمة الطبية المقدمة بناءً على دراسات التكلفة، وهي نقطة إيجابية ستحد من فوضى أسعار القطاع الخاص، ثم سيضطر القطاع الخاص لتحسين خدماته ليحصل على إجازة الاعتماد كشرط أساسي لتقديم خدماته للمؤمن عليهم.

الاستقلال

كما أن التمويل سيتم من خلال اشتراكات المنتفعين والضرائب على السلع الملوثة للبيئة، بحسب تعبيره، وتم تحديد التمويل المطلوب من خلال دراسة اكتوارية تراعي المتغيرات المختلفة لضمان الاستمرارية، والجودة أحد العناصر الرئيسية في القانون الجديد، فالحصول على الاعتماد شرط أساسي لأي منشأة صحية تتعاقد مع هيئة التأمين الجديدة، وسيتم إنشاء هيئة مستقلة غير تابعة لوزارة الصحة لتعطي شهادة الاعتماد.

وأوضح بسيوني في تصريحات خاصة لـ “البديل” أن اختيار محافظات التطبيق التجريبي كان اختيارًا سياسيًّا يتوافق مع الحالة الاقتصادية الحالية للبلاد، وكذلك طول مدة التطبيق، أما ما يخص العاملين في الصحة فسيتم دفع مقابل الخدمة على الرأس في وحدات طب الأسرة (المستوى الأول) ومقابل الخدمة (المستوى الثاني) وهي أسعار عادلة تتيح تحسين أجور العاملين بناء على الأداء، ومن ثم فإن القانون الجديد سيشكل إطارًا عامًّا للإصلاح الصحي الشامل، تعوزه جهود جهة التنفيذ في التخطيط والتدريب المستمر للعاملين.