كازو إيشيجورو

رغم أن اسم الروائى البريطانى – اليابانى الأصل – كازو إيشيجورو، الذى فاز بجائزة نوبل للآداب عام 2017، لم يكن متداولا كمرشح للجائزة لهذا العام، ولم يعرف أنه رشح لهذه الجائزة فى الأعوام الماضية، إلا أن فوزه بجائزة نوبل قد أثلج صدور الكثير من النقاد، الذين صدمهم فوز مغنى البوب الأمريكى بوب ديلان بالجائزة فى العام الماضى، والكاتبة الصحفية البيلاروسية سفيتلانا أليكسفيتش بالجائزة فى العام الأسبق.

وقد طرح فوز إيشيجورو بالجائزة عدة قضايا هامة. القضية الأولى هى قضية الهوية. وكما هو معروف فالهوية نوعان: هوية جماعية وهوية فردية. الهوية الجماعية هى شعور المرء بالانتماء إلى هذه الأمة، إلى هذه القومية، إلى هذا البلد، إلى هذا الشعب، إلى هذا الدين، إلخ. وفى كل أحوال هذه الهويات ليس للفرد حرية فى اختيارها فى الغالب. أما الهوية الفردية فهى ثمرة إرادة الفرد نفسه. والأسئلة التى طرحها حصول إيشيجورو على الجائزة: هل هوية الفرد ثابتة أم متغيرة؟ وهل يجوز أن ننظر إلى هوية الفرد انطلاقا من ماضيه فقط؟ وهل الهوية الجماعية تسبق الهوية الفردية دائما؟ فقد ولد إيشيجورو فى اليابان عام 1954، فى مدينة نجازاكى التى دُمرت بالقنبلة الذرية الثانية التى القتها أمريكا على اليابان فى نهاية الحرب العالمية الثانية، لوالدين يابانيين هاجرا إلى بريطانيا فى عام 1960، وإيشيجورو فى السادسة من عمره، فعاش فيها وتجنس بجنسيتها ودرس فى مدارسها وجامعاتها. يقول إيشيجورو: “أذكر أننى عندما جئت إلى هنا كنت أنا الطفل اليابانى الوحيد فى المنطقة، ولم يكن هناك من يسألنى من أى مجتمع أنت. وحتى الآن لا أشعر بروابط مع المجتمع اليابانى الذى يعيش هنا، فهو مجتمع عابر يتكون من مجموعة من رجال الأعمال فى شركات متعددة الجنسيات، يرسلون أبناءهم إلى مدارس يابانية، ويأكلون فى مطاعم يابانية، وأنا لا أفهم ثقافتهم، ولا أتكلم لغتهم، ولا أعيش حياتى بنفس أسلوبهم، ليس هناك ما يربطنى بهم سوى أصلى، وأعيش هنا كما يعيش أى كاتب إنجليزى”. إذن فإيشيجورو من ناحية الأصل والملامح يابانيا، ولكن من ناحية الثقافة واللغة والإنتماء الحضارى يحسب لصالح الثقافة البريطانية والحضارة الغربية عموما.

والقضية الثانية هى قضية النجاح، فقد اتجه إيشيجورو إلى الأدب بعد أن ذاق مرارة الفشل وتراجعت أحلامه الأخرى، كأن يكون موسيقيا مثلا، وإن كان قد استخدم تلك الخلفية لاحقا فى كتابة رواية تتمحور حول عازف بيانو. لكن إيشيجورو تعلم أن الفشل هو إحدى أكثر تجارب الحياة نفعا وإفادة؛ لأن الفشل يعطى الإنسان الدروس الكافية التى يجب أن يتعلمها قبل أن يبدأ مشواره نحو النجاح، وهى الدروس التى لا يمكن أن يعطيها أى معلم آخر غير الفشل. واستطاع إيشيجورو بصبره وجلده واصراره أن يحقق نجاحا كبيرا فى المجال الجديد الذى اختاره لنفسه، الأدب والإبداع الروائى، حتى رشح أربع مرات لجائزة بوكر البريطانية، والتى تعتبر أهم جائزة فى الرواية المكتوبة باللغة الإنجليزية، وقد فاز بها فى عام 1989 وهو فى الخامسة والثلاثين من عمره، وأخيرا يفوز بجائزة نوبل هذا العام وهو صغير السن نسبيا (62 عاما) بالمقارنة بمن سبقوه للفوز بالجائزة، والذين كان معظمهم قد تجاوز السبعين أو الثمانين حين حصلوا عليها.

والقضية الثالثة هى قضية الكم والكيف، فهذا الروائى لم يكتب طوال حياته، ومنذ أن احترف الأدب فى عام 1982 وهو فى الثامنة والعشرين من عمره، سوى سبع روايات وعدد قليل من القصص القصيرة. سبع روايات فقط فى خمسة وثلاثين عاما، وكانت بالترتيب: رواية “منظر شاحب للتلال” فى عام 1982، ورواية “فنان من العالم الطليق” فى عام 1986، ورواية “بقايا اليوم” فى عام 1989، التى فاز عنها بجائزة بوكر فى نفس العام، ورواية “من لا عزاء لهم” فى عام 1995، ورواية “عندما كنا يتامى” فى عام 2000، ورواية “لا تدعنى أرحل” فى عام 2005، وروايته الأخيرة “العملاق المدفون” فى عام 2015. وقد أحدثت جميع تلك الروايات دويا كبيرا عند صدورها، على المستويين النقدى والجماهيرى، وتميزت بمستوى فنى عال رغم اختلاف موضوعاتها وتنوع أساليبها، فربما كان أهم ما يميز إيشيجورو هو أنه كاتب مجدد، وقد تحولت ثلاث من رواياته إلى أفلام سينمائية ناجحة. وكل هذا يؤكد أن قيمة الكاتب أو الروائى يكتسبها من جودة أعماله وتنوعها وليس من تعددها وكثرتها كما يظن الكثير من الكتاب والروائيين عندنا فى مصر.

والقضية الرابعة هى قضية البساطة والعمق، فروايات إيشيجورو تمتاز بالبساطة وفى الوقت نفسه بالعمق، وخالية من الغموض والتعقيد واستخدام المفردات المبهمة التى ترهق الفكر دون مبرر أو فائدة، وهى الأشياء التى يعتبرها بعض الروائيين عندنا دليل على براعة الكاتب وحذقه وعدم سطحية أفكاره. يكتب إيشيجورو بأسلوب شديد البساطة والاقتصاد، ولا يقدم للقارئ إلا التفاصيل المهمة والضرورية، وهو كاتب مدهش فى تقديم شخصيات ثانوية تحيط بأبطاله فتبرزهم عن طريق العلاقات التى تربطهم معا. قرأت له رواية “بقايا اليوم”، التى ترجمها طلعت الشايب فى عام 2000 ضمن المشروع القومى للترجمة، وقد أعجبنى بناءها الفنى المحكم وأسلوبها الأدبى السلس، وتلك خصائص مشتركة فى جميع أعمال إشيجورو، فالرواية تغوص فى عالم الأحاسيس المكبوتة، وتدور حول رئيس خدم رزين يكرس نفسه بثبات لخدمة سيده، وهو لورد بريطانى، يحاول أن يحافظ على النظام والانضباط ومستوى الخدمة الممتاز فى قصر مخدومه الفخم، حتى على حساب عواطفه الشخصية. ويقدم إيشيجورى لنا فى الرواية أيضا رجل دبلوماسى أمريكي، يرسم شخصيته بعناية فائقة لكى يظهر التناقض بين الثقافتين البريطانية والأمريكية. وهذا الدبلوماسى الأمريكى، يشترى المنزل لاحقا من اللورد البريطانى الذى لطخ سمعته بتأييده للسلام مع ألمانيا النازية قبل الحرب، لكن رئيس الخدم يخلص للمالك الجديد أيضا بالرغم من أنهما على طرفى نقيض.

وقد تحولت رواية “بقايا اليوم” إلى فيلم سينمائى رائع بذات الاسم فى عام 1993، رشح لسبع جوائز أوسكار. وكان الفيلم من بطولة أنتونى هوبكنز وإيما تومسون، ومن إخراج المخرج البريطانى الكبير جيمس إيفورى. أظن أن السبب فى روعة الفيلم، إلى جانب براعة المخرج والممثلين، يرجع فى الأساس إلى بساطة الرواية وعمقها وتكاملها، فكل مشهد وكل شخصية كانت تضيف إلى المعنى الكلى للفيلم وتبرزه.

والقضية الخامسة، التى طرحها فوز إيشيجورو بجائزة نوبل، تخصنا نحن، فأول وآخر مرة نحصل على جائزة نوبل فى الآداب كان فى عام 1988 بفضل الأديب الكبير نجيب محفوظ، وآخر مرة نشارك فى كأس العالم لكرة القدم كان فى عام 1990، ومع ذلك فدائما ما كنا نحزن ونتحسر على عدم وصولنا إلى كأس العالم، ولا نشعر بنفس الدرجة من الحزن والحسرة على عدم حصولنا على تلك الجائزة مرة أخرى، السؤال هو : متى تكون الثقافة فى بلادنا أهم من كرة القدم؟ أو متى تصبح الثقافة قضية عامة تشغل عامة الناس وخاصتهم؟