في ذكرى حسام تمام .. نظر ثاقب ونبوءات تتحقق

في الوقت الذي كانت جماعة الإخوان المسلمين في أوج حضورها السياسي في الفترة من 2005 إلى 2010 عبر ممثليها في مجلس الشعب، والنقابات المهنية، والتنظيمات الطلابية بالجامعات، كان الصحفي والباحث الراحل حسام تمام يركز في كتابته على تحليل ورصد التغيرات والصراعات والتحديات الكبيرة التي تعيشها الجماعة على المستوى العقائدي والتنظيمي.

الجماعة التي طالما روجت صورة قوية ومثالية عن قدرتها على العمل التنظيمي والدعوى، ظهرت في كتابات حسام تمام بوصفها تعيش لحظات فارقة تُنبأ بتفكك أيدولوجيا الجماعة ونهاية تنظيمها. “تعيش حركة الإخوان المسلمين حالة تحول تعانى جرائها مخاض تغيرات كبرى وجوهرية تخرج بها من حالة السكون أو الجمود التى اعتادها منظار كثير من الباحثين والمراقبين، كما أنها تخرج أيضا عن حالة الثبات التى تسيطر على الخيال الإخوانى فتحيله إلى صورة طوباوية عند الجماعة الصامدة، إنها حالة تحول تجعلنا حين التدقيق بإزاء حركة إخوان أخرى غير التى كنا نعرفها قبل عقدين أو ثلاث” بهذا الكلمات يفتتح تمام كتابه “تحولات الإخوان المسلمين.. تفكك الأيدلوجيا ونهاية التنظيم” الصادر في طبعته الثانية عن مكتبة مدبولي بالقاهرة عام 2010.

تحقق النبؤة
حسام الذي رحل عن عالمنا في 26 أكتوبر عام 2011، تحققت نبوءته سريعًا، فبينما ظنت الجماعة أن الأرض أخذت زُخرفها وزُينت لقادتها بوصولهم لسدة الحكم في مصر وتونس، جاءت النهاية والانهيار الكبير، وعلى عكس ما يبدو من كون هذه النهاية ناتجة فقط عن تداعيات خارجة عن الجماعة سواء عبر الصدام مع شركاء ثورة 25 يناير، ثم الصدام مع المؤسسة العسكرية المصرية، لكن المطلعين على كتابات حسام تمام وغيرها من الكتابات الجادة عن الجماعة في سنوات ما قبل الثورة، يدركون أن هذه النهاية كانت قادمة لا محالة في ظل ما تعيشه الجماعة من تحولات وصراعات داخلية.

أكثر ما يميز كتابات حسام تمام أنها تعاملت مع التنظيمات الإسلامية الحركية في سياق أوسع من المسألة العقائدية أو التنظيمية، انطلاقًا من الإطار المجتمعي بتمثلاته السياسية والاقتصادية والمعرفية، مشيرًا إلى أن هذه الجماعات والتنظيمات هى نتاج لمجتمعاتها، محاولًا عبر كتاباته النقدية دفعها خطوة للإمام نحو التطور ومزيد من الانفتاح على المجتمع، ورغم تركيز تمام في كتابته على جماعة الإخوان باعتبارها التنظيم الأكبر والأكثر فاعلية، إلا أنه لم يغفل باقي الحركات والتنظيمات التي أثرت وتأثرت بالإخوان المسلمين ومن أبرزها التنظيمات السلفية الوهابية والجماعة الإسلامية.

يوضح تمام أن التغيرات التي عاشتها جماعة الإخوان في سنوات ما قبل الثورة، تتسم بسمتين: أولاهما أنها فى مجملها تغيرات غير واعية أو مخطط لها مسبقا، بقدر ما هى أقرب إلى التغير الذاتى الذى يجرى وفق منطق الصيرورة الاجتماعية، وهو منطق تسبق فيه الحركة التنظير الذى يتأخر ليأتى مكملا لها مؤكدا عليها أو داعما و مؤيدا لها، بل وأحيانا لا يأتى لتظل الحركة أكثر تقدما من التنظير، أما السمة الثانية لهذه التغيرات فهى أنها وإن بدأت بالمجال السياسى وربما بسببه فإنها سرعان ما طالت مجمل الحركة الإسلامية، وغطتها كاملة مشروعا وتنظيما وأفرادا بل وروحا من دون استثناء، فرغم أنها جاءت وليدة الدخول الكثيف للجماعة فى الحقل السياسى والعمل العام، فإنها لم تلبث أن تجاوزت المجال السياسى لتنتقل بتأثيراتها إلى شتى مجالات ومسارات الحركة.

مشيرًا إلى حالة الانفصام بين الخطاب والفعل التي تعاني منها الجماعة، فبينما تمارس جماعة الإخوان أفعال سياسية تنتمي إلى لحظة الدولة الوطنية الحديثة عبر المشاركة في الانتخابات في البرلمان والجامعات والنقابات، لكن ما تزال أطرها الفكرية والتربوية عاكفة على تداول أفكار ونظريات سياسية عتيقة تنتمي إلى ما قبل ظهور الدولة القومية، حتى إن اضطرت الجماعة لمراجعة خطابها فإنها تقوم بذلك تحت حرج اللحظة وضغط الخصوم وليس عن قناعة ذاتية.

تسلف الإخوان
واحدة من الظواهر البارزة التي رصدها حسام تمام في تتبعه لمسيرة جماعة الإخوان هى ظاهرة “تسلف الإخوان”، وقد أصدر بحثًا مفصلًا عن هذه الظاهرة ضمن سلسلة “مراصد” التابعة لمكتبة الإسكندرية عام 2010، ونشر أيضًا هذا البحث ضمن كتاب “جماعة الإخوان سنوات ما قبل الثورة” الصادر عن دار الشروق، في مقدمة البحث يشير حسام تمام إلى أن المكون “السلفي” حاضرًا منذ تأسيس الجماعة، فالإخوان المسلمين في رؤية حسن البنا هى :”دعوة سلفية وطريقة سنية وحقيقة صوفية وهيئة سياسية وجماعة رياضية ورابطة علمية ثقافية وشركة اقتصادية وفكرة اجتماعية”.

يوضح تمام أن سلفية حسن البنا تختلف عن السلفية الوهابية؛ من حيث إنها تضم كل المكونات الثقافية للمجتمع، فضلًا عن روحها الصوفية الحاضرة بقوة في البناء التنظيمي للجماعة، ومقررات التربية في الحركة، مشيرًا إلى أن جماعة الإخوان بدت في سنوات التأسيس الأولى وريثة للسلفية الإصلاحية التي كان الشيخ رشيد رضا أبرز رموزها قبل تلك الفترة، لكنها سلفية جامعة وتجميعية تقع في أقصى مناطق المرونة، كما أن ظروف البيئة المحيطة لعبت دورًا بارزا في بلورة إتجاه السلفية الإخوانية نحو طابع عروبي إسلامي جامع لا ينفي أن في الأمة مكونات مختلفة قابلة للاستيعاب، وهذا ما كان البنا يدركه جيدًا.

لكن صدام جماعة الإخوان مع النظام الناصري وتعرضهم للسجن، وهجرة كثير من قياداتها لدول الخليج وخاصة المملكة العربية السعودية، نتج عنه تغير في بنية الجماعة وميل قوي نحو السلفية الوهابية، وفي فترة السبعينيات ومع ميلاد حركة إسلامية جديدة بتوجه سلفي واضح مدعومة بأموال الخليج ومزاج مجتمعي غارق في الثقافة الاستهلاكية والتدين الظاهري، إندفعت الجماعة نحو السلفية الوهابية.

تحت عنوان “ترييف الإخوان” يشير حسام تمام إلى أن الجماعة شهدت في العقود الثلاث الماضية حالة من “الترييف” دفعت بقوة نحو مزيد من السلفية الوهابية “لقد تراجع “أفندية” حسن البنا الذين تولوا إدارة الجماعة تاريخيا مثل حسن الهضيبي وعمر التلمساني وحسن عشماوي ومنير الدلة وعبد القادر حلمي وفريد عبد الخالق، تواروا لمصلحة الريفيين الذين تقدموا لاحتلال الصفوف الأولى حتى داخل القاهرة مثل” محمد مرسي، وسعد الكتاتني وغيرهم”. موضحًا أن هذا التغير صاحبه عدم الاهتمام بالثقافة والتقاليد القانونية وإستدعاء ثقافة القبيلة وروابط الدم.

في هذا السياق يوضح حسام تمام أن انتقال الإخوان من الدعوة السلفية الإصلاحية والتوفيقية إلى السلفية والوهابية، بدأ الاهتمام بمسألة الهدي الظاهر، كما ظهرت الالتباسات السلفية في أزمات ملاحقة الكتب والأعمال الفنية والرقابة الأخلاقية ” يعكس هذا تحولاً طال الأرثوذكسية الإخوانية التي انتقلت من استعادة الهوية الإسلامية في مواجهة الوافد في الثلاثينيات والأربعينيات نحو مفهوم الحاكمية في مواجهة الدولة والمجتمع في السبعينيات، قبل أن تتجه نحو التركيز على فكرة الدفاع عن الأخلاق العامة من داخل مؤسسات النظام في التسعينيات ووصولاً إلى أرثوذكسية سلفية مفارقة للثقافة وللمجتمع على نحو ما يحدث اليوم”.

يشير تمام أيضًا أن الإخوان رغم هذه التغيرات السلفية الأكثر انغلاقًا على مستوى العقائدي والتنظيمي، لكنهم على المستوى الاقتصادي أصبحوا جزء رئيسي وفاعل في منظومة الثقافة الاستهلاكية، عبر شركاتهم القائمة على الوساطة والربح السريع، وهذا التغير وضع الجماعة في مواجهة تحدي كبير، حيث التفاوت في الدخل والثروة الهائلة لبعض قيادات الجماعة، فضلًا عن تضارب المصالح بين الدعوة والمال، والمصلحة الشخصية والعامة، بالإضافة لتماهي الجماعة من السياسات الاقتصادية للأنظمة الحاكمة، وعدم قدرتها على تقديم بديل اقتصادي أو اجتماعي لتغير حياة المجتمعات العربية.

_ حسام تمام صحفي وباحث متخصص في شؤون الإسلام السياسي، شغل منصب مدير تحرير قطاع الحركات الإسلامية في موقع «إسلام أون لاين»، وصدرت له كتب وترجمات عدة في الحركات الإسلامية أبرزها: «مع الحركات الإسلامية في العالم: رموز وتجارب وأفكار»، و”تحولات الإخوان المسلمين: تفكك الأيدلوجية ونهاية التنظيم». ورحل عن عالمنا في 26 أكتوبر 2011.