«فتحنة» حماس

ليس مستغربا تغير موقف “نبطشية” الصحافة والإعلام في مصر من حركة المقاومة الفلسطينية حماس بين ليلة وضحاها، فـ”الذراع العسكري لجماعة الإخوان الإرهابية التي اقتحمت السجون وهربت قادة الجماعة، ونفذت عمليات عدائية، وخطفت الجنود، وسهلت عبور أسلحة وأفراد إلى سيناء بدعم قطري تركي”، صارت صديقا للقاهرة وصمام أمان للأمن القومي المصري.

هؤلاء المتحولون يغيرون مواقفهم كما يغيرون ملابسهم الداخلية، ويفصّلون رسالتهم الإعلامية على مقاس أي سلطة، فعندما يقرر النظام شيطنة حماس وتحويلها إلى شماعة يعلق عليها القضايا التي لم تصل فيها أجهزة الأمن إلى مدانين، وتصدر إحدى المحاكم حكما باعتبارها حركة إرهابية، ويتهمها وزير الداخلية في مؤتمر صحفي بتخطيط عملية اغتيال النائب العام السابق، حينها عزف إعلام الغبرة على أوتار إرهاب حماس، وطالب كبيرهم الذي علمهم “الطبل” بضرب معسكرات الحركة في غزة بالطيران.

احتفاء الإعلام المصري بموقف حماس وسعي قادتها لتحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية التي تمت برعاية مصرية، ما هو إلا احتفاء بـ”فتحنة” الحركة، أي تحويلها إلى “فتح” جديدة، تقبل بالمساومة والتفاوض وتنكيس السلاح، وتقبل الاعتراف بالكيان الصهيوني كدولة، وتدفن شعار “فلسطين من البحر إلى النهر” بمقابر قطاع غزة المكتظ بجثامين الشهداء.

ما تلعبه القاهرة 2017 سلطة وإعلاما في القضية الفلسطينة ومع حركات المقاومة، لم يختلف كثيرا مع ما لعبته قاهرة مبارك مع حركة فتح بثمانينيات القرن الماضي، فرجال كامب ديفيد في السلطة والإعلام وأنصار السلام الدافئ مع “تل أبيب” لن يقبلوا بوجود فصيل مقاوم يرفع سلاحه في وجه “الصديق الوفي” الذي يجب أن يحظى أي رئيس مصري بمباركته، بتعبير مصطفى الفقي في حوار لـ”المصري اليوم” عام 2010.

لقد لعب نظام مبارك وريث كامب ديفيد الدور الأسوأ في تصفية ثوابت القضية الفلسطينية، وفي جر منظمة التحرير الفلسطينية إلى مائدة أوسلو حتى اعترفت بـ”إسرائيل”، لتتحول بعدها المنظمة التي تأسست في مؤتمر القمة العربي الأول الذي دعا إليه جمال عبد الناصر عام 1964 بهدف تحرير كامل التراب الفلسطيني عبر الكفاح المسلح إلى شرطي “تل أبيب” في القطاع والضفة، يعتقل النشطاء وينزع سلاح حركات المقاومة ويدير كنتونات أطلق عليها مناطق سلطة الحكم الذاتي.

ما تسعى إليه القاهرة الآن هو جر حركة المقاومة حماس وريث منظمة التحرير التي أصيبت بسرطان أوسلو إلى ذات المصير، في محاولة إلى استئناسها وتفريغ مضمونها وجعلها رقما سهلا في إطار ما تقتضيه صفقة القرن.

في مطلع مايو الماضي، أعلن رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، خالد مشعل، أن الحركة تؤيد إقامة دولة فلسطينية انتقالية على حدود 1967، وقال مشعل وهو يعلن عن وثيقة السياسة الجديدة للحركة من العاصمة القطرية الدوحة إن “حماس تدعو لتحرير فلسطين بالكامل، لكنها على استعداد لتأييد إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 دون الاعتراف بإسرائيل أو التخلي عن أي حقوق”، لكنه أردف أن “حماس اختارت نهجا جديدا وهو التطور والمرونة دون الإخلال بالثوابت والحقوق”.

مرونة حماس التي تحدث عنها مشعل ومضى عليها خلفاؤه، لا تختلف كثيرا عن غصن الزيتون الذي رفعه ياسر عرفات على منصة الأمم المتحدة عام 1974 وانتهى به إلى مستنقع التفاوض، من أوسلوا إلى واي ريفير ومن شرم الشيخ إلى كامب ديفيد، حتى انتهى الحال إلى عزل المقاوم السابق في غرفة مهدمة بمقر سلطته في رم الله إلى أن فارق الحياة مسموما بعد نقله إلى العاصمة الفرنسية باريس.

رجال كامب ديفيد في القاهرة لن يقبلوا باستمرار حركات المقاومة الرافضة للاعتراف بالعدو والمتمسكة بثوابت القضية، فصفقة القرن التي تلعب فيه السلطة المصرية دورا كبيرا تقضي كما طالبت “واشنطن” و”تل ابيب” بنزع سلاح حماس وأخواتها وإدخالهم حظيرة “سلام الشجعان” وجرهم إلى ذات المستنقع الذي سقط فيه عرفات ومن قبله الرئيس المؤمن أنور السادات الذي بادر بزيارة الكنيست قبل 4 عقود.