عن الثقة المفقودة بين المصريين والحكومة

(1)
لو كنت مكان النظام الحاكم، لفكرت كثيرا وطويلا قبل بدء إجراءات المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس وما ستسببه من أضرار لمصداقيته أمام العامة. من أخطر الأمور التلاعب بعقل المواطن وعواطفه، مثلما تعلمنا من حكاية راعي الغنم الذى كان يصرخ طالبا العون من أهل قريته لإنقاذ غنمه من الذئب، تكرار صرخات الغوث الكاذبة جعلت أهل القرية لا يستجيبون لصرخاته الاستغاثية حين تعرض قطيعه لاعتداء حقيقى من ذئب.

تكرار الأكاذيب يفقدك ثقة مستمعيك حين تنطق بالحقيقة، منذ ثورة 25 يناير وحتى شهور قليلة مضت، كانت حماس منظمة ملعونة فى الإعلام المصرى، كان يكيل لها التهم، فهى وراء تهريب الإخوان من السجون أثناء ثورة يناير، وضليعة فى الحوادث الإرهابية التى تعرض لها جنودنا فى سيناء، السلاح والإهاربيون يتم تهريبهم إلى سيناء عن طريق الأنفاق الموجودة فى غزة وتحت أعين حماس، كما أن الرئيس الأسبق محمد مرسى مازال يحاكم بتهمة التخابر مع حماس، وأصدرت محكمة مصرية حكما بتوصيف المنظمة بأنها إرهابية، والإعلاميان اللذان ذهبا لغزة وقابلا إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسى لحماس هما نفسيهما من تحدثا عن حماس بكل سوء وحملاها دم المصريين الذين استشهدوا فى سيناء جراء العمليات الإرهابية الآثمة.
هذا التحول بعيدا عن السياسة وتقلباتها يضع النظام المصرى والإعلام المحسوب على هذا النظام فى مأزق حقيقي، ويفقده المصداقية والمهنية فى التعامل مع الأمور، وهذا المأزق لا ينسحب على ما فات ولكن ماهو آت، وما سيؤدى إليه من نتائج سيئة المستقبل، فحين يصرخ هذا الإعلام الذى يعد صوت السلطة التنفيذية، مستنجدا بالناس حقا وصدقا لن يجد من يصدقه تماما مثلما حدث مع الراعي الكذوب.
(2)
افتتاح فندق الماسة فى العاصمة الإدارية تزامنا مع احتفالات أكتوبر، خطوة أخرى مربكة، أكتوبر يمثل للمصريين آخر انتصار عسكرى لهم مع العدو الإسرائيلي، الذى استرجعوا به كرامتهم المهدرة فوق رمال سيناء في يونيو 67، الاحتفال بالنصر هذا العام كان مختلفا، وكأننا نعتذر عنه أمام صديقنا الجديد وعدونا التاريخي إسرائيل، نحتفل به احتفالا مظهريا يفتقد الوعى وروح المقاومة والانتصار على الواقع المفروض علينا، كما يبتعد عن فقه الأولويات، مصر التى تعانى من ضائقة اقتصادية خانقة يلمسها الشعب فى حياته اليومية، ولايخجل رئيسها من وصفها بالفقر الشديد، لديها فائض لبناء فندق الماسة الذى أصبح حديث الجميع، فهل يمكن للشعب أن يثق فى الحكومة حين تقول للشعب “مفيش” و أن عليه أن ينظم النسل حتى تؤتى التنمية ثمارها، وهو يعرف عن يقين أن ثمار هذه التنمية لن تطوله، وأن التردي فى الخدمات الأساسية: تعليم وصحة ومواصلات سيظل على حاله، لأن موازنة الدولة مثقلة بالديون، وهى عاجزة عن الأنفاق على تحسين هذه الخدمات، على الرغم من حوادث القطارات التى تتسبب فى موت مئات المصريين كل عام.
الدولة لا تستطيع توفير ميزانية لأعمال الصيانة بالهيئة وشراء أجهزة تحكم فى سير القطارات إلكترونيا بعيدا عن الأخطاء البشرية القاتلة ، رغم أن هذا المبلغ يقل عما تم إنفاقه على “الماسة”.
(3)
السلطة التنفيذية تحاول أن تهيمن على كل السلطات فى الدولة: التشريعية والقضائية والصحافة والإعلام، فى زمن تسعى الدول المتقدمة للتخفف من المركزية، لإعطاء فرص أكبر للإبداع فى كل المجالات، فالإبداع هو الثروة والثورة معا، ولكن حكومتنا الرشيدة تسعى لفرض مقاس سرير بروكست على الجميع.

هل يمكن للشعب أن يصدق الحكومة التى ترفع شعار “ابدع.. انطلق” فى المؤتمرات التى تنظمها للشباب، وهى فى نفس الوقت تُضيق على الناس حرية التعبير وتحجب مئات المواقع الإلكترونية التى تختلف معها فكريا؟، إذن كيف يكون الإبداع والانطلاق إذا كان الاختلاف فقط ممنوع والمطلوب شعب من الماتركس يتم التحكم فيه عن بعد.
(4)
كيف يمكن لدولة أن تستقيم أمورها وشعبها لا يثق فى حكومته ونظامه الحاكم!!، وهو ما اعتبره حكيم الصين “كونفوشيوس” أسوأ الأمور على الإطلاق وأخطر من الحروب الخارجية.
انهيار الثقة بين الشعب والنظام ينتقل إلى أسفل الهرم، لتعم عدم الثقة بين كافة أطياف الشعب، ليحل الانقسام محل الوئام، وفى ظل ذلك لا تحدثنى عن الإصلاح الجرىء أو محاولات ترميم الثقوب بكفالة وكرامة، البداية دائما هي بناء البشر لا الحجر.. إلا إذا كان الهدف الخفى هو تحويل الشعب إلى قطع من الحجارة لا حول لها ولا قوة تستخدم فى بناء سور العاصمة الإدارية.

ektebly@hotmail.com