عندما نادت جوليت من شرفتها: “روميو.. متنساش تجيب الفينو”!

كل صور الحب في الروايات واللوحات والأفلام هي ما نحلم به ونتمناه وليس ما نراه ونعيشه ونتزوجه، فأي تشابه بين الحب في مخيلتنا وبين الحب في الواقع هو فقط من قبيل “الحبكة” والتهيؤات، ولا يمت للحياة بأي صلة أو نسب.

يعيش أغلبنا في انتظار أن يصيبهم سهم كيوبيد ليسقطوا تحت رحمته صرعي للآهات والتنهدات والنظرات.. فلن تلحظ كم هو مشعاً ضوء القمر أو تشعر بنشوة السهد إلا إذا كنت هائماً في سماء المحبين، ولن يجذبك بريق النجوم أو يرهف قلبك لعذوبة الشعر إلا في حالة أن تكون غارقاً بكامل جسدك وروحك في بحور ودوامات العشق.. ولو سألوك أثناءها عما تريد أن تكون يوماً ما، لقلت دون تردد: “نفسي ألعب شخصية علي في فيلم رد قلبي”.

يقال إنه في عالم الحب الافتراضي تسقط الحواجز وتتلاشي الصعاب ولا يتبقي إلا همسات وهمهمات المحبين.. فالورود فُرشت علي جانبي الطريق المُعطر برائحة الياسمين، والسماء تغطيها طيور جاءت تصدح تحية لتلك القلوب التي ذابت من فرط الغرام، فما أسعدهما وهما يتراقصان متعانقين تحت حبات المطر، وما أتعسهما إن حان وقت الرحيل، فكيف للقلوب المفتونة أن تحتمل ألم الفراق.

في أدبيات العشق، تتفجر الشرارة الأولي إن التقت العيون والابتسامات وتلامست الأيدي.. فها هو يداعب بأنامله خصلات شعرها الأسود الفاحم، فيما تهمس هي باسمه بين شفتيها وكأنها تعزف لحناً سماوياً، ويحلقان سوياً في فضاء الحلم غير مكترثين لنظرات المتلصصين والحاقدين والغيورين، فمن الذي سيعوضهما عن الثوان التي قد تضيع من دون أن تتشابك روحهما معاً.

كل هذه المشاهد السابقة حتماً رأيتها أو شاهدت مثيلاً لها في خيالك أو خيال أشخاص غيرك، ولكنك لسوء الحظ لم تصادفها مرة واحدة واقعاً ملموساً.. فلا شك أنك سترفض الزواج إلا إذا جاءك علي طريقة “أحمد ومني” في أفلام السينما، وستؤثر وقتها الاحتفاظ بعذرية قلبك حتي تلتقي نصفك الآخر.. وفي حالة ما إذا كنت متزوجاً فاعلم أن الحب لا يأتي إلا بعد الزواج، وأنه سيظل متوهجاً وملتهباً بشرط واحد.. “إن مراتك متعرفش حاجة عنه”.

لا أعرف من صاغ مصطلح “الحب الأفلاطوني” وما سر ارتباطه بالفيلسوف صاحب المدينة الفاضلة، فلم يُعرف عن أفلاطون أنه كان متيماً ومصاباً بداء الوله، أم ربما قصدوا بالمصطلح أن الحب مستحيل الوجود كالمدينة المزعومة، أو يجوز لسمو هذا النوع من الحب وتجاوزه أفق الممكن.. كل الاحتمالات وراء التسمية واردة ولكن المؤكد أن “الحب الأفلاطوني” لم يظهر مرة واحدة منذ اختفائه في الانتفاضة الأولي الديناصورات.

فارق شاسع أيضاً بين ما تصبو إليه القلوب المتشوقة إلي الحب وبين العلاقات التي تنتهي بورقة واتنين شهود وتسمي بـ”قسيمة الزواج”.. فبدلاً من أن تسرحا سوياً في أحلامكما المُغلفة بكلمات الغزل وعناق العيون، سيستيقظ كلاكما مذعوراً علي وقع كوابيس “العفش والصيني والقايمة والمؤخر والشبكة الغالية اللي لازم تليق بالعروسة”.. وسيسدل الستار وقتها علي علاقة رومانسية تاهت وسط الأقساط ومعارك مصروف البيت وغلاء “البامبرز”، بعد أن كُتبت بدايتها يوماً بدموع الاشتياق والشكوي من هجر المحبوب.

يعيش الحب الدراماتيكي ويكبر في خيالاتنا فقط.. منها ينطلق بأقصي سرعة متخطياً حواجز الزمان والمكان، وإليها يعود من جديد غير قادر علي تجاوز حدود الخيال ليصبح واقعاً ممكناً.. فالحب كالأسطورة ستخلده تضحيات العشاق وقصصهم التي تتواتر علي الألسنة وفي الجلسات الخاصة، وسيظل مصدر إلهام للكتّاب والفنانين، وأيقونة للمتعبدين في محرابه، فهو الغائب دوماً عن الوجود والحاضر فقط في عقول الهائمين.

يمكنك بسهولة أن تؤلف كتاباً عن الحب ولكنك لا تستطيع أن تضمن لنفسك أو لغيرك هذا الحب.. ولعل الشاعر الإنجليزي وليم شكسبير صانع أسطورة “روميو وجوليت”، أكبر مثال علي كاتب استطاع أن ينسج من خياله أعظم قصة حب، رغم أنه هجر زوجته وأولاده الثلاثة وفضل أن يعيش حياته وحيداً وبعيداً عنهم.. وربما لو نقل شكسبير الواقع بحذافيره علي الورق، لزّوج بطليه في “زفة بلدي”، ولخرجت جوليت مسرعة إلي شرفتها في القصر تلحق بحبيبها قبل أن يرحل، فتناديه قائلة بنبرة استعجال: “يا روميو.. متنساش الفينو وإنت راجع”!