عربى بين ثقافتين

يحتل الدكتور زكى نجيب محمود فى تاريخنا الفكرى المعاصر مكانة كبيرة وفريدة، ولا يختلف اثنان على أنه واحد من أهم رموز الفلسفة العربية والفكر العربى فى النصف الثانى من القرن العشرين، وعلى وجه الخصوص الفلسفة ذات النزعة العلمية والفكر العقلانى التنويرى التقدمى.

وحياة الدكتور زكى نجيب محمود الفكرية وأعماله يمكن تقسيمها إلى مرحلتين رئيسيتين.فى المرحلة الأولى، مرحلة الوضعية المنطقية أو التجريبية العلمية، والتى امتدت لأكثر من عشرين عاما، منذ أواسط الأربعينات وحتى أواخر الستينات، شيد الدكتور زكى نجيب محمود الأسس الأولى لمشروعه الفكرى، محاولا تثبيت مبدأ أن المعرفة وكيفية تحقيقها بشكل منضبط ومنهجى هى المهمة الحقيقية للفلسفة، وأن التحليل المنطقى للغة هو الأداة الرئيسية لتحقيق المعرفة الصحيحة بالعالم.

وعلى الرغم من أن الوضعية المنطقية كانت قد انتهت وانحسرت تماما عن مجال فلسفة العلم فى أوروبا وأمريكا، فإن الدكتور زكى نجيب محمود ظل دائما على إيمان بضرورة الوضعية المنطقية لتوجيه العقل العربى نحو الواقع ونحو العلم، وتكفل طوال الخمسينات بنشرها والدعوة إليها فأخرج أكثر أعماله منهجية وإحكاما: كتاب “المنطق الوضعى” فى عام 1951، وكتاب “خرافة الميتافيزيقا” فى عام 1953.

وفى عام 1960 أصدر الدكتور زكى نجيب محمود كتابا صغيرا كان علامة فارقة تحدد بشائر المرحلة الثانية فى نمو مشروعه الفكرى، وهو كتاب “الشرق الفنان” الذى كشف فيه عن بداية تحوله إلى مفكر لثقافته وحضارته الخاصة، حيث بدأ يكتشف الخصائص الرئيسية للثقافة الشرقية، وتمايزها عن الثقافة الغربية. ثم سافر إلى الكويت أستاذا للفلسفة فى عام 1968، حيث قضى خمس سنوات، انصرف بمعظم جهده فيها إلى دراسة التراث العربى، وراح يميز بين ما نقلته الثقافة العربية عن الآخرين، وما أبدعته انطلاقا من معطياتها الخاصة. وتمخض هذا عن طرح إشكاليتنا الحضارية تحت عنوان “الأصالة والمعاصرة”، بمعنى كيفية الجمع بين الأصالة الثقافية التى جعلت العربى عربيا طول التاريخ، وبين المعاصرة التى تجعلنا جزءا من عصرنا، لا بمجرد وجودنا المادى، بل بنشاطنا الفكرى كذلك، وهى المشكلة الأم للفكر العربى فى صراعه مع الحداثة طوال القرنين الماضيين.

وتدفقت أعمال الدكتور زكى نجيب محمود صوب هذه المشكلة، وبدأت بأول كتاب كبير فى المرحلة الثانية من مشروعه الفكرى وهو كتاب “تجديد الفكر العربى” فى عام 1970، ثم كتاب “المعقول واللامعقول فى تراثنا الفكرى” فى عام 1975،وأخيراكتاب”عربى بين ثقافتين” فى عام 1990.

وكتاب “عربى بين ثقافتين”أصدرهالمفكر الكبير قبل صدور كتابه الأخير “حصاد السنين” بعام واحد، والذى يمثل الجزء الثالث من سيرته الذاتية، ومن هنا تكمن أهميته لأنه قد يعبر عن آخر صياغة لما وصل إليه فكره على مدى عشرين عاما.ويضم الكتاب سبع عشرة مقالة، الواحدة تلو الأخرى دون تصنيف فى أبواب وفصول وكأنها مجموعة من الأفكار والخواطر المتتالية، وقد تعاونت كلها على رسم رؤية واحدة تصور الصيغة المقبولة لحياة العربى الجديد، إذا أريد لتلك الحياة أن تحقق للعربى هويته العربية، وأن تشحذ قدراته – فى الوقت نفسه – تجاه العصر وحضارته، على أن يندمج الجانبان فى شخصية متناسقة متكاملة فى شخصية العربى الجديد.

وإذا كانت هذه المحاولة الساعية إلى إيجاد تلك الصيغة الثقافية للمواطن العربى الجديد قد غلبت على جميع ما اتجه إليه فكر وقلم الدكتور زكى نجيب محمود منذ عام 1970، فإن هذا الكتاب قد احتوى على جهد مكثف فى هذا السبيل، يصطبغ بلون خاص إذا قورن بغيره من الجهود السابقة، إذ اختار المفكر الرائد مجموعة من الزوايا التى تصلح للإطلال منها على مواضع اختلاف جذرية بين الثقافتين العربية والغربية، أدت إلى مذاقين مختلفين لحياة الإنسان، وذلك تمهيدا للنظر من جديد نظرة فاحصة، فربما تبين أن ما يراه البعض اختلافا يضرب إلى الجذور ويستحيل على المصالحة والتوفيق، إنما هو فى حقيقته أكثر مرونة مما يبدو، بحيث يصبح فى حدود المستطاع اقتراح صيغة توفيقية تجمع الطرفين دون تضحية بما هو أساسى وجوهرى فى كل من الطرفين.

وقد اختار الدكتور زكى نجيب محمود أول ما اختار، فكرة “المبادئ” وطريقة النظر إليها، حيث إن أحق شىء بالبحث، عندما يكون الهدف هو الكشف عن طبيعة الحياة الثقافية، هو أن نبحث وراء التفصيلات الكثيرة الطافية على سطح الحياة العملية الجارية عن المبدأ الذى يضم جميع تلك التفصيلات فى كيان منضبط بقواعد وقوانين، وأن نكشف كذلك عن نظرة الإنسان إلى ذلك المبدأ من حيث ثباته أو قابليته للتغيير.

وفى سبيل البحث عن هذه المبادئ، رسم الدكتور زكى نجيب محمود صورة هيكلية للسلوك البشرى، كما يراها علماء علم النفس المعاصرون، واكتفى من ذلك بعرض الوحدات البسيطة التى ينحل إليها سلوك الإنسان بكل مركباته ومقوماته، فكانت الوحدة البسيطة الواحدة تتألف من ثلاث حلقات: الأولى هى المثير، أى العامل الإدراكى الذى يتلقاه الإنسان من محيطه، والحلقة الثانية هى طريقته الداخلية فى مواجهة هذا الذى تلقاه، والحلقة الثالثة هى النمط السلوكى الذى يرد الفعل ردا يجعل ذلك السلوك متوائما مع المثير الخارجى وما أحدثه فى النفس من حالة الرضى أو الفزع. وعلى أساس هذه الخريطة للوحدات الهيكلية فى السلوك البشرى، وجد الدكتور زكى نجيب محمود أن مكمن السر فى خصوصية الوقفة الثقافية عند الفرد الواحد أو عند شعب فى مجموعة هو فى الحلقة الوسطى. فالفردان من ثقافتين مختلفتين، قد يشتركان فى مثير واحد كأن يفاجئهما معا حيوان مفترس، فتجىء الحلقة الوسطى التى تختلف فى أحدهما عنها فى الآخر، فتحمل أولهما على الفرار التماس للسلامة، وتحمل الثانى على محاولة اصطياد الحيوان طمعا فى فرائه الثمين.

ومضمونات الحلقة الوسطى هذه لا تأتى من فراغ، بل هى وليدة التربية والنشأة الاجتماعية. وهذه بدورها لم تولد من لا شىء، بل استحدثتها مبادئ غرست فى ضمير الإنسان غرسا نتيجة لمجموعة من الأوامر والنواهى.

وفى حين كانت المبادئ فى الثقافة العربية هى مما لا يجوز أن يتغير وفقا لمتطلبات الحياة العملية؛ لأن تلك المبادئ إنما هى محاور الحياة كلها، ثم هى ليست من صنع أحد من الناس، بل هى أوامر ونواه جاءت للناس وحيا عن طريق الأنبياء والرسل، كانت المبادئ فى الثقافة الغربية فى هذا العصر متساوية فى موقعها مع مبادئ البحث العلمى. فكما يبدأ البحث العلمى فى ظاهرة معينة بافتراض ما يفسر تلك الظاهرة ويستخرج قانونها، فإذا أفلحت نتائج ذلك الفرض، كان بها، وإلا فلا حرج فى أن نستبدل به مبدأ آخر.

هاتان هما الوقفتان: وقفة الثقافة العربية المتوارثة، ووقفة الثقافة الغربية المعاصرة. وكان السؤال الذى طرحه الدكتور زكى نجيب محمود هو: هل هنالك ما يمكن تعديله فى النظرة العربية حتى لا يتورط العربى فى ثبات يؤدى به إلى ضعف وعجز، مبقيا على ثبات الجانب الذى لا بد من بقائه؟ وكان الجواب بالإيجاب، إذ ليس هنالك ما يمنع التفرقة بين مبادئ تتصل بالعقيدة فتبقى ومبادئ أخرى من صنع الإنسان فتخضع للتغيير إذا كان ازدهار الحياة يقتضى ذلك التغيير، وبهذه النظرة يستطيع العربى أن يجمع بين الثقافتين فى وقفة واحدة فيغير من هيكل حياته ما يمكن أن يتغير لحاقا بموكب العصر، ويصون ثوابت الهوية لينجو بحياته من التحلل والدمار.