عامان على التدخل الروسي: كيف هُزمت واشنطن في سوريا؟

شكل التدخل الروسي في سوريا نقطة التحول الأهم خلال العاميين الماضيين على الصعيد الميداني والسياسي وحتى الاستراتيجي؛ فأولاً وازن التدخل الروسي في توقيت حرج على صعيد دولي وإقليمي تفرد أطراف إقليمية لم تكن قادرة على حسم تطورات الأوضاع في سوريا لصالحها، فأضحت موسكو مرجعية هامة لكافة الأطراف على اختلاف مواقفها في أي تسوية نهائية في سوريا، سواء كان ذلك على قاعدة رعاية كل من موسكو وواشنطن لجهود وجولات التمهيد للتسوية بمختلف مفاعيلها من جينيف إلى أستانة، أو ما حدث بعد ذلك على ضوء تطورات أهمها الحسم الميداني لروسيا وحلفائها عشية وبعد معارك حلب، ليصبح للكرملين اليد العليا ليس فقط فيما يتعلق بسوريا في مرحلة ما بعد داعش ولكن لما هو أبعد.
وإذا وضعنا التدخل الروسي من حيث الكم والكيف والتوقيت بجانب معطيات الحرب في سوريا في إطار تصاعدي، نجد أن التدخل الروسي نقل دمشق وحلفائها من مربع الدفاع والمحافظة على الأراضي إلى المبادرة بتحرير ما وقع في أيدي الجماعات المسلحة على مختلف الجبهات في توقيتات متزامنة أحياناً، وهو ما كان ينقص دمشق في السابق، حيث لم يكن في استطاعتها قبيل التدخل الروسي وخاصة سلاح الجو الروسي من خوض عمليات عسكرية كبيرة مثل التي حدثت في حلب، أي حسمها عسكرياً وميدانياً مع الاطمئنان إلى عدم تأثر الجبهات شمالاً وجنوباً بهذا، خلافاً للبُعد السياسي الذي وفرت فيه موسكو غطاءاً سياسياً ناطح حتى مفاعيل واشنطن العسكرية على الأراضي السورية، وفرض واقعاً ميدانياً أدى لتغير جذري في رؤية جميع الأطراف للحل في سوريا.
وبالتوازي مع تطورات الرؤية الروسية تجاه سوريا من المساندة والدعم إلى التدخل المباشر، كانت الولايات المتحدة في أواخر عهد الإدارة السابقة تعاني من التخبط والإخفاقات المتتالية فيما يخص إستراتيجية مواجهة داعش والتحالف الدولي الذي قادته من أجل هذا الهدف؛ فما بين الإخفاقات الميدانية والاستخباراتية وفوضى فصائلية وتصنيفات متعددة للجماعات المسلحة تنوعت بين المعارضة المعتدلة والتنظيمات الإرهابية، وخلافات بين واشنطن وحلفائها بخصوص هذا، وتضارب التكتيكات الميدانية والتفاوضية على مدار العاميين الماضيين، كانت موسكو وحلفائها يمضون قدماً في تحرير الأراضي السورية شمالاً وجنوباً مع انفتاح على أي حل سياسي ومبادرات تفاوضية تخص تسوية الأوضاع في سوريا على أرضية فرضتها الانجازات العسكرية الميدانية، فكان الأمر الواقع بالنسبة لأطراف تتأثر وتؤثر بمجريات الأوضاع في سوريا والعراق مثل ار بين استمرار في تبعية التخبط الأميركي في ظل إدارة ترامب، أو كسر الجليد بينها وبين روسيا للوصول إلى تسوية تحقق الحد الأدنى من المصلحة تلافياً لما هو أسوأ، خاصة وأن العودة الترامبية لسوريا كفاعل متفرد فتحت سيناريوهات تصعيد على مستوى القوتين العظمتين، لم تلبث إلى أن أتضح أنها مجرد مناورات أميركية ترتبط بأمور داخلية في واشنطن أكثر من كونها مرتبطة بالواقع الميداني في سوريا.
السابق جعل العديد من المراقبين يصلوا إلى حد الجزم بأن “خسارة” الولايات المتحدة على مستوى استراتيجي في سوريا قد تكتسب نوعاً من الاستدامة لسنوات قادمة، وقد تمتد لما هو أبعد من الملف السوري وما يلتحق بتسويات ما بعد داعش في الرقعة الجغرافية الممتدة من العراق لسوريا للبنان، وخاصة بعد انفجار المسألة الكردية باستفتاء إقليم كردستان العراق، والذي قفز بالتطورات الإقليمية لأفق لا يبدو أن واشنطن وحلفائها قادرين في الوقت الراهن على استيعابها، فبادروا باستدارة وانفتاح على موسكو، ليس فقط فيما يتعلق بسوريا ولكن مستقبل المنطقة ككل.
في هذا السياق، تقول المحللة والباحثة في شؤون السياسات الروسية في الشرق الأوسط، آنا بورشفسكايا، في مقال لها في مجلة “فوربس” الأميركية أن “بوتين هزم واشنطن في سوريا”، مدللة على ذلك من مسارات ما حدث في العاميين الماضيين، وربطه بمستقبل الأوضاع في سوريا والمنطقة، وحتى على مستويات داخلية في كل من الولايات المتحدة وروسيا. وفيما يلي نص المقال:

يوافق الثلاثين من سبتمبر الذكرى السنوية الثانية لتدخل موسكو في سوريا الأمر الذي أنقذ الرئيس بشار الأسد من انهيار وشيك، وذلك بعد أن قدمت إيران وحزب الله الكثير من الدعم لدمشق، ليكتمل بتدخل القوات الجوية الروسية في سبمتبر 2015 لتوازن الأمر من محاولات فقدان السيطرة إلى إعادة التوازن ومن ثم المبادرة بالهجوم.
وتجدر الإشارة إلى أن بوتين قد وقف إلى جانب الأسد منذ البداية وقدّم له الحماية بطرق متعددة. فقد قام بتسليحه، وعمل على حمايته في مجلس الأمن الدولي، وحرص على استمرارية الجيش والاقتصاد السوري. لكن، تدخّله في سوريا كان نقطة تحوّل تدل على التصعيد الروسي في سوريا.
وبشكل عام، حقق الرئيس بوتين اليوم كل ما يريده في سوريا. فقد أبقى الأسد في السلطة. ورسّخ الوجود العسكري الروسي في سوريا على الأقل على مدى الـ ٤٩ عاماً المقبلة، وهو أكبر وجود عسكري روسي خارج الاتحاد السوفيتي السابق حتى اليوم. وبذلك، حدّ بوتين من قدرة أمريكا على المناورة العسكرية في المنطقة، وضمن نفوذ روسيا في أحد أكثر البلدان أهمية من الناحية الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
والأهم من ذلك بالنسبة لبوتين أن بإمكانه الآن التعاون مع الغرب وفق شروطه الخاصة. فقد أوجد لروسيا صورة الوسيط للقوة العظمى. وحصل على إقرار دولي بشأن مبادرته الأخيرة لوقف إطلاق النار في جنوب غرب سوريا والتي أدت إلى إنشاء مناطق لتخفيف حدة التصعيد، وذلك بعد اجتماع بوتين مع ترامب في يوليو من هذا العام. وفي هذا الإطار، تعمل روسيا وإيران وتركيا بمثابة ضامن لوقف إطلاق النار. ولطالما قاوم بوتين المناطق الآمنة المحمية من الغرب في سوريا، بيد أن وقف إطلاق النار بقيادة روسيا سيسمح له بالحفاظ على مصالحه في البلاد.
لدى مناطق وقف التصعيد إطار حماية أضعف من المناطق التي تدعمها الغرب. إذ نشرت موسكو قواتها العسكرية لمراقبة وقف إطلاق النار ولكن من غير الواضح كيف سيتم تنفيذ هذا الترتيب. كما أن الاتفاقية بالكاد تعترف بالدور الإيراني في سوريا. وفي الوقت ذاته، يتعيّن على حليفين أمريكيين رئيسيين في المنطقة، هما إسرائيل والأردن، التعامل مع روسيا حول قضايا أساسية تخصّ الأمن القومي الأمريكي. وكون روسيا شريكة، سيتوجّب على الولايات المتحدة تقاسم العبء المعنوي التي تسبّبه الضربات الجوية الروسية التي قد تؤدّي إلى مقتل المدنيين.
وبعيداً عن إقحام نفسه في ورطة يتعذّر له الخروج منها في سوريا والتي كان قد توقّعها الرئيس أوباما في أكتوبر ٢٠١٥، تمكّن بوتين من القيام بحملة رخيصة نسبياً، وهو الآن في طريقه إلى إخراج نفسه من الصراع مع ضمان وجود روسيا ونفوذها في الوقت نفسه. وفي الإطار ذاته، عزّز صادرات الأسلحة الروسية باستخدام سوريا كساحة تجارب للأسلحة الروسية. والآن، بعد أن استقر الوضع في بعض المناطق الرئيسية في البلاد، تتطلّع شركات الطاقة الروسية إلى إعادة بناء البنية الأساسية للطاقة في سوريا. وبينما تشارف الحرب على الانتهاء، لا يُظهر تعاون روسيا مع إيران أي علامة على التراجع. ومن المرجّح أن يكون نذير تعاون استراتيجي أوسع مع انعكاسات أكبر على السياسة الأمريكية في المنطقة. وتتجاوز المصلحة المشتركة بين موسكو وطهران في معارضة الغرب كل خلافاتهما.
ويذكر أن مدة حكم بوتين باتت أطول من الرئيس الأسبق ليونيد بريجينيف، ويهم بوتين اليوم بالاستعداد للانتخابات الرئاسية في مارس2018، وهو ما يعني سعيه لإثبات نجاحه وفشل الغرب وواشنطن للرأي العام الروسي، خاصة وأنه يتم تصوير دور روسيا في الشرق الأوسط في الإعلام الروسي على أنه صانع السلام والساعي لعودة الأوضاع في سوريا لما كانت عليه قبل 2011، وفي هذا السياق احتفلت البحرية الروسية بيومها الوطني ليشمل لأول مرة قاعدتها في سوريا.
ومهما شاب وقف إطلاق النار الحالي من عيوب، إلا أنه لا يزال صامداً حتى الآن. أمّا مستقبله فيكتنفه الغموض جنباً إلى جنب مع مستقبل روسيا. وطالما يستمر الغرب في الإذعان لموسكو في سوريا، سيكون لدى بوتين مناسبات كثيرة تدعوه للاحتفال.