شرف الكاتب “زي عود الكبريت”!

لا أكتب لأملأ فراغكم أو كي أظهر في صورة الكاتب الذي اصطفاه الله لهداية البشر، فما جئتكم للتسلية ولست بنبي معصوم يحمل لكم رسالة من السماء، بل مثلكم مشوش لا يمسك بقلمه ويشرع في تدوين أفكاره علي الورق إلا كلما أعيته الهموم والحيرة، فأوشك معهما أن يصبح علي حافة الجنون.

الكتابة الصادقة هي أقرب ما تكون لعبارة الأديب الأمريكي أرنست هيمنجواي الذي وصفها في قسوة قائلاً: “الكتابة بالنسبة لي هي لا شئ.. أجلس أمام الآلة الكاتبة ثم أنزف”.. فأنت تكتب إذاً أنت تئن ويعتصرك الألم من قبح الحقائق التي تراها دون مساحيق، ومن فرط الهوة السحيقة بين ما تحلم به وواقع آخر عبثي تراه ماثلاً ولا تقوى على تبديله.

كن على يقين بأن أي كاتب مهما علا اسمه وذاع صيته سرعان ما يخبو نجمه ويأفل إن فقد مصداقيته وثقته فيما يؤمن، فالموهبة والمهارة وحدهما لا يصنعان كاتباً ذو شأن.. وإياك أن تُدهش أو تهتز مبادئك أمام آخرين يحصدون الشهرة والثراء رغم رصيدهم الكبير في الكذب والتدليس، فشتان بين كاتب يجد نشوته في إراحة ضميره وقارئ يحترمه، وآخر لا يري سوي ذاته ولا يشغله إلا تنامي نفوذه السياسي والمادي.

هي معضلة يشترط علي الكاتب أن يحلها بنفسه، فإما أن يؤثر الصدق سبيلا أو يهرول لاهثاً خلف دنياه.. وبعد أن ينتهي منها سيواجه في الطريق ذاته معضلات أخري أكثر تعقيداً، وأولها أن يعرف تحديداً ماذا سيكتب ولمن؟ وهل مطلوباً منه أن يُرضي الجميع علي اختلاف ميولهم وأمزجتهم؟ ومتي على الكاتب أن يصمت ويترك قلمه وعقله قيد السكون؟ وكيف سيكون رده علي من يعتقد بأن الكتابة في زمن الجهل هي أشبه بمن يحمل مشعل ضوء لينير الطريق لمجموعة من العميان!.

إن ترك الكاتب بوصلته تتحرك في نفس إتجاه مواكب الجهل والضلال، وبعكس إتجاه الحقيقة، لأضاع حياته داخل غرفة مظلمة بنوافذ حديدية غير منتبهاً أن في الجانب الآخر باباً مفتوحاً علي مصراعيه هو طريقه للخروج، فقد تعود ذلك الكاتب علي إبقاء عقله ساكناً بلا تفكير، سائراً في استقامة خلف خطوط السير المرسومة للجميع، وكأنه يخشي أن ينحرف عنها لئلا يتورط في المعارك.

الكاتب بلا معركة هو كالفاقد لهويته، فكيف لجندي أن يلقي سيفه وسط القتال، وكيف له أن يرفع رأسه بعد أن خذل زملاءه وفر من مواجهة الموت، فشرف الكاتب كشرف الجندية لا يمكن التضحية به تحت أي ضغوط علي شاكلة “المجتمع اللي عايز كده” أو “الشعب غير المؤهل”، بل عليه أن يصرخ دوماً حتي لو كانت صرخته مجرد صوت عال في البرية.

ليس مطلوباً من الكاتب أن يدق طبول الحرب دون داع، فإن اشتدت أحزانه وتكاثرت عليه السهام المسمومة يكون الوقت مواتياً لـ”استراحة محارب” يلتقط فيها أنفاسه، فهو مُعرض للتأرجح بين التفاؤل والإحباط، بين المثابرة لأجل التغيير وبين الاعتقاد بأنه لا أمل في التغيير، فما هي حيلته أمام مجتمع أدار ظهره للعدالة والمساواة، واستقوت شوكته فقط استهجاناً من فئة مارقة ضلت علي نفسها.
علي الكاتب ألا ينحني للعاصفة ويسبق دائماً بخطوة ليحذر من خطر الطوفان القادم، فهذا وقت الوحدة لبناء سد منيع يقي الجميع مصير الفناء.. أما إذا انشغل المجتمع بخلافات ساذجة من نوعية “هل من حق المرأة أن تشارك في بناء السد؟!”، و”ما الأسانيد الشرعية التي تُجيز للمثليين الاحتماء بالسد والوقوف بمحاذاة الرجال؟!”، ستكون النهاية المحتومة هي هلاك الكل.. فعندما تغيب الأولويات عن المجتمع تكسوه السحب السوداء ويتقلد العبث منفرداً كل أدوار البطولة.

هناك قوم إن خاطبتهم عن الحق وفضيلة أن تكون حراً غير مُكره، سئموك وولوا وجوههم عنك كارهين، وإن سايرتهم في جهلهم وأمعنت في تضليلهم والتحايل عليهم لقالوا: “هذا الكاتب لذي شأن عظيم”.. هي معضلة جديدة علي الكاتب أن يفكر في وسيلة لحلها دون أن يعاتب أو يحمل ضغينة في قلبه لمن يعارضه ويعرض عنه، بل مطلوباً منه أن يملء وجدانه بالمحبة ويقول لنفسه في جسارة وتحدٍ: “ما نجوت إن نجا الجهل.. فإما أن يعود الوعي المفقود أو نعود جميعاً عشرات القرون إلي الخلف”.