سر حزب الله ورسائل نصر الله

منذ زيارتي الأولى إلى لبنان في العام 1985 انغمست في الشأن اللبناني إلى درجة غير مسبوقة مع غيره من الشئون العربية، تابعت خلال العقود الثلاثة الماضية حركة حزب الله ضمن متابعتي لما يجري على أرض لبنان، ثم تطور الأمر مع تتابع الحوادث وتغير الظروف إلى أن أصبحت خِطابات السيّد حسن نصر الله واحدة من أهم اهتماماتي خاصة تلك التي تتناول الشأن العربي والإقليمي بوجه عام، وكانت ذروة الاهتمام والمتابعة لخطابات ورسائل نصر الله أيام وليالي حرب يونيو 2006.

وأذكر أني كتبت مقالاً في أعقابها تساءلت فيه عن “سر حزب الله” الذي جعله يصمد أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية بكل همجيتها ووحشيتها ونازية قادتها طوال 33 يوماً من القتال الشرس، الذي لم يتوقف ليلا أو نهارا وبكل أنواع الأسلحة ومن البر والبحر والجو؟.

شغلني السؤال عن سر هذا الحزب الذي نجح باعتراف العدو في أن ينازل إسرائيل في معركة مفتوحة طوال هذه المدة ويفرض عليها للمرة الأولى حرباً طويلة وأنهى بها عصر الحروب الإسرائيلية الخاطفة؟.
وطرحت ـ على ما أذكر ـ السؤال على المواطن العربي وطلبت من كل مواطن مهتم بالشأن العام أن يبحث بنفسه عن هذا السر الذي جعل “الحزب” يستعد كما لم تستعد دول المواجهة مع إسرائيل لحرب طويلة بلا إمداد لا في الذخيرة ولا في السلاح ولا في التموين، وخاصة بعد قطع أوصال المدن والبلدات الجنوبية عن أي اتصال ممكن؟.

ما هو سر الخلطة التي اكتشفها حزب الله والواجب علينا في كل الأقطار العربية والإسلامية أن نكتشفها؟.
أمام أعيننا رأينا إمكانية أن يكون هناك نموذجاً مختلفاً عن السائد، ليس فقط في الإمكانيات العسكرية، ولا في نجاح استراتيجياته العسكرية ولا في تكتيكاته الميدانية، بل هو أشد تميزاً في المجال المدني والاجتماعي والسياسي.

من المؤكد أن هذا السر وراءه أسباب كثيرة ومتعددة ومعقدة، وقد تبدأ الإجابة من صدق اليقين بالله، وقد لا تنتهي عند حسن الإعداد، وبينهما الكثير من التفاصيل علينا أن نفكر فيها لعلنا نحصل على إجابة تشفينا مما نحن فيه.
هل هو في تلك العقيدة التي امتزجت بدماء المقاتلين؟.
هل السر يكمن في قيادة الحزب؟.
هل يكمن السر في هذا التلاحم الداخلي بين الحزب وبين من يمثل حتى صار الناس كلهم حزباً وصار الحزب هو الناس الذين يمثلهم؟.

أثبتت الأيام والحوادث والتطورات أن الحزب صار رقماً صعباً على الصعيد المحلي في لبنان، وعضدت وجوده على الصعيد الإقليمي في المنطقة، وجعلت له كل هذا التأثير على المحيط الدولي.
هل اختار الحزب قضيته المركزية بنجاح لم يفعله غيره من الأحزاب؟.
هل سر حزب الله في التعددية اللبنانية؟.
هل سره في كل ما ذكرنا أم في غيره؟.
قد لا أملك الإجابة الشافية على السؤال الكبير، ولكن المؤكد عندي أن السر الحقيقي وراء قوة حزب الله هو الناس، شعب حزب الله الذين يقول عنهم دائما إنهم أشرف الناس وأغلى الناس وأطهر الناس، هؤلاء الناس هم الحضانة الحقيقية لبطولة حزب الله وهم حماته الحقيقيون في مواجهة إسرائيل، قام حزب الله وأحد أهم أهدافه أن يحميهم من عدوانية إسرائيل التي لم تكن تكف عدوانها عنهم خاصة في الجنوب فأصبحوا هم حماته.

هذه الأسئلة ما تزال تلح على تفكيري، ولعلها عادت بقوة مع الخطاب الأخير الذي ألقاه نصر الله في ذِكرى عاشوراء، وفيه العديد من الرسائل والتحذيرات والمواقف الصريحة المحددة والواضحة والقوية وربما الخطيرة.

الخطاب جاء في وقت تستعد فيها منطقتنا إلى مرحلة رسم وتثبيت الخرائط الجديدة والحدود المستجدة لبلدانها، وأوزاناً مختلفة لمكوناتها.

من هنا تأتي أهمية خطاب نصر الله، فضلاً عن إلى أنه جاء من رجل عهدناه يتكلم في مثل هذه الأمور بحسابات دقيقة، وينتقي للكلمة موضعها وحتى طريقة إلقائها، رجل أفعال لا أقوال، حتى الإسرائيليين أنفسهم يصدقونه بأكثر مما يفعل العرب.

ربما للمرة الأولى يضع نصر الله حداً فاصلاً بين الصهيونيّة واليهودية، باعتبار أن الصهيونيّة حركة احتلالٍ عُنصري، واليهودية ديانة سماويّة تَستحق الاحترام، وحصر معركة العرب مع الصهاينة وليس مع اليهود، وحذّر اليهود من الانجرار إلى مُخطّطات أمريكيّة تُريدهم وقودًا لحُروب يجري التفكير والتحضير لخوضها في المنطقة، ويُطالب اليهود بمُغادرة فلسطين إلى البُلدان التي جاءوا منها، حتى لا يَكونوا وقودًا لأيّ حربٍ تجرّهم إليها حُكومة نتنياهو، ويُحذّرهم بأنهم ربّما لن يَكون هُناك وقت لهم لمُغادرة فِلسطين المُحتلّة، ولن يكون لهم أيّ مكانٍ آمنٍ فيها.

يتوقع نصر الله ويحذر من أن الادارتين الأمريكية والإسرائيلية يندفعان باتجاه حرب جديدة وشيكة، وهو لم يعهد عليه الحديث في مثل هذه الأمور بغير الجدية التي تستوجبها، وهو في موقع إقليمي يسمح له بالاطلاع على دقائق الأمور، ويقيم علاقات تحالفية إقليمية واسعة ربما يكون هو لسانها البليغ في توصيل رسائل تحذير وتهديد من أن يندفع الأمريكان والصهاينة إلى مغامرات غير محسوبة العواقب.

ولعل أهم الشواهد المعلنة على المخططات المخفية ذلك الاستعداد الأمريكي للانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران الذي سيكون بمثابة إعلان الحرب القادمة.

إسرائيل نفسها تعرف أن قدرات حزب الله التسليحية اليوم غيرها في حرب يونيو السابقة، وأن الخبرات القتالية لمقاتلي الحزب وحلفائه تضاعفت عشرات المرات خلال السنوات العشر السابقة، وأن خزانة حزب الله الصاروخية تحوي الكثير الذي يمكن أن يطول كل مكان في فلسطين المحتلة، وربما كان هذا ما قَصده نصر الله وهو يدعو اليهود إلى ُمغادرتها في أسرع وقتٍ مُمكن.

الحرب الأمريكية الإسرائيلية المتوقعة تستهدف جني ثمار الفوضى الخلاقة التي سادت المنطقة خلال السنوات الماضية، وحزب الله وحلفاؤه ليس لهم من هدف إلا افشال تلك الخطة، هم يريدون ساحة المعركة على كل رقعة الشطرنج العربية المتناثرة والمشتعلة بالحروب الصغيرة والخلافات المستعرة، وحزب الله وحلفاؤه يريدون أن تكون اسرائيل نفسها هي ساحة المعركة القادمة، وهذه هي واحدة من أهم رسائل نصر الله إلى الطرفين: الأمريكي والإسرائيلي.

أما أهم رسائل نصر الله ـ حسبما أرى ـ فتتلخص في أن الحرب المقبلة إذا اشتعلت لن تتوقّف، وهي الأشرس من كُل الحُروب السّابقة، وربما تكون هي خطيئة العمر لكل من ترامب ونيتنياهو.
ويبقى سر حزب الله وتبقى رسائل نصر الله على المحك خلال الشهور القليلة القادمة.