“درس الواحات”.. الرصاص وحده لا يكفى

أى محاولة للفصل بين مجزرة الواحات وبين مجمل التوجهات الاقتصادية والسياسية للسلطة فى مصر هو العبث بعينه، فالإرهاب أو العنف الدينى ليس نبتة شيطانية تظهر فجأة فى مجتمع ما، لكنه محصلة عوامل عديدة متشابكة، قد تغذيها التدخلات أو حتى المؤامرات الخارجية، إلا أن الظروف الداخلية سيكون لها اليد العليا فى توفير التربة الملائمة لنشأة
التنظيمات المتطرفة التى ترى فى العنف المسلح سبيلا وحيدا لمواجة ظلما فادحا تتعرض له من السلطات الحاكمة.

عندما تفترس الناس أزمات معيشية طاحنة، تقتل طموحاتهم، وتجعلهم يدورون فى دائرة مغلقة من البؤس والحرمان، ولا يرون أملا قريبا أو بعيدا فى تغيير واقعهم المزري، ثم تنسد أمامهم كل قنوات التغيير السلمى، فلن يكون غريبا أن تظهر
حركات عنف اجتماعي، تتطور من خانة الاحتجاجات السياسية إلى استخدام السلاح ضد أجهزة الدولة.

مصر ليست استثناءً من هذه القاعدة، فطبقا لأرقام الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء يقع 27,8% – أى أكثر من 30 مليون مصرى – تحت خط الفقر، لا يستطيعون الوفاء باحتياجاتهم الغذائية والتعليمية والصحية الأساسية، منهم حوالى 13 مليون مصرى لا يزيد معدل إنفاقهم الشهرى عن 333 جنيها فى الوقت الذى قدر فيه الجهاز أن خط الفقر ينبغى ألا
يقل عن 1000 جنيه شهريا بعد قرار تعويم الجنيه.

أما على المستوى السياسي، فالملاحظ أن اتجاه السلطة لتأميم المجال العام يتصاعد بوتيرة سريعة، فالأحزاب لا تزال فى غرفة الانعاش، ومنظمات المجتمع المدنى تتعرض لضربات موجعة تحت الحزام، وانتهاكات الدستور فى مواده التى تتعلق بالحريات العامة وحقوق الانسان وتبادل السلطة تجرى على قدم وساق، والسيطرة على الصحف والفضائيات وحجب المواقع تبدو على رأس اهتمامات الدولة، فى نفس الوقت الذى تمتلىء فيه السجون بآلاف المعتقلين والمحكومين
بتهم سياسية.

وحتى مجلس النواب المفترض أن يكون رقيبا على الحكومة، فإنه لا يحرك ساكنا لوقف تجاوزات السلطة، بل إنه غالبا ما يبرر لها أخطاءها ويدافع عن خطاياها، و يتماهى مع السلطة التنفيذية وكأنه أحد أجهزتها، رغم أنه بحكم الدستور يملك
حق إسقاطها!

فى مثل هذا المناخ الذى يضيق فيه صدر السلطة بصوت المعارضة، وتختفى خلاله إمكانيات التغيير المؤسسي، وتتقلص فيه مساحات التنفيث عن الغضب الشعبى من الأزمات الاقتصادية، يصبح العنف والإرهاب النتيجة المنطقية الوحيدة الممكن توقع حدوثها، خاصة من جانب التيارات الدينية المتطرفة التى تمتلك تجارب طويلة فى رفع السلاح ضد الدولة، كما يتوافر لها ظهير جغرافى فى دول عديدة بالإقليم، يحفل بعشرات من التنظيمات والحلقات المتطرفة التى تمدها
بالمساعدات والخبرات اللازمة.

مع قرب دخولنا سنة الانتخابات الرئاسية، واستمرار قبضة السلطة الخشنة على حياتنا السياسية، قد تراهن التنظيمات الدينية المتطرفة على شن المزيد من العمليات الإرهابية، لإثبات فشل تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسى فى القضاء على الإرهاب فى تحقيق أهدافه، مما يزيد من صعوبة موقفه فى هذه الانتخابات، وحتى إن لم تنجح فى إسقاطه فيها، فإنها
بالتأكيد ستضع المزيد من العراقيل أمامه.

فى نفس الوقت، فإن هذه التنظيمات المتطرفة تدرك جيدا أنها لن تستطع تغيير النظام المصرى بقوة السلاح، موازين القوى بينها وبين الشرطة ولا أقول الجيش المصرى، ليست بالقطع فى صالحها، بل لا وجه للمقارنة بينهما على أى وجه من الوجوه، كل ما تريده هذه التنظيمات هو دفع النظام إلى اتخاذ المزيد من الإجراءات غير الديمقراطية التى تعرض شعبيته للتآكل، وتعرضه للانتقادات العنيفة من حلفائه الغربيين، حتى يصبح النظام فى عداء متواصل مع القوى المعارضة فى الداخل، وأن يصبح عبئا ثقيلا لا يمكن للغرب احتماله طويلا، وهذا هو الفخ الذى تنصبه هذه التنظيمات للنظام، والذى
يبدو أنها تحقق – حتى الآن – نجاحا كبيرا فى تحقيق أهدافها عن طريقه.

قد يكون من الواجب على السلطة الاعتراف بأن هناك أخطاء فادحة ارتكبتها وزارة الداخلية فى “معركة الواحات”، لكن الخطأ الأكبر هو أن تستمر فى اعتقادها بأن الرصاص وحده يكفى لحسم المواجهات الدامية مع الإرهاب، فبدون إصلاحات ديمقراطية واقتصادية حقيقية، ستستمر طاحونة الدم فى الدوران، وستدفع هى الثمن الأكبر من فاتورته إن عاجلا او آجلا !