حوار| اللواء باقي: أزلنا خط بارليف بالمياه في 8 ساعات

اللواء باقي زكي يوسف، الضابط المهندس صاحب فكرة استخدام “طلمبات المياه” في إزالة الساتر الترابي المنيع، خط الدفاع الأول الذي قال عنه الإسرائيليون إنه لا يُقهر مثل أسطورة الجيش الإسرائيلي، بعد أن استغرقوا في بنائه أكثر من 4 سنوات، ونجحت فكرته في فتح 60 ثغرة بداخله في أقل من 8 ساعات، وتم حماية أرواح 20 ألف جندي وضابط بالجيش المصري.

في الذكرى الـ44 من نصر أكتوبر التقينا رئيس فرع المركبات أثناء حرب أكتوبر وقاهر خط بارليف المنيع، الذي حدثنا عن ذكرياته مع الضباط والجنود والعدو في الفترة من نكسة 67 حتى الاستعدادات الأخيرة لمعركة العبور وسيناريوهات الانتصار.

وإلى نص الحوار..

حدثنا بداية عن الجزء الخفي من حياة اللواء باقي زكي يوسف.

أنا خريج كلية الهندسة دفعة 1954، ودخلت القوات المسلحة في نفس العام، برتبة رائد، وحينذاك طلبت هيئة السد العالي ضباطًا منتدبين من الجيش، لإتمام عمليات هندسية جارية هناك، وكان حظي أن تم انتدابي هناك حتى وقعت نكسة يونيو 1967، وفي ذلك الوقت تم صدور تعليمات إلى الجميع بالعودة.. فرجعنا.

في تلك اللحظات من الهزيمة.. كيف كان رد فعل الضباط والجنود من قرار القيادة العليا بالانسحاب؟

لم يكن أحد منا يتصور ذلك المنظر وتلك الأوضاع القاسية، وكنت وقتها في أسوان داخل جراج الشرق الذي يوجد به 500 عربة، وقاعدين نشتغل 3 ورديات (24 ساعة) يوميًّا بدون راحة، ولو نزلنا إجازات نرجع نلاقي الطريق اتغير، وكانت العمليات في أسوان مرهقة للغاية، والحمد لله تمت على خير.

هل تعرضتم لاشتباكات مع العدو في تلك الفترة؟

لم يحدث أي شيء، ورجعت يوم 5 يونيو، وفوجئت أن مكاني الذي خرجت منه منذ 3 سنوات تم شغله، وكانت رتبتي رائدًا، ولكنني عدت مقدمًا من جديد (الترقيات في الجيش بالسنين).

تم تعييني رئيس مركبات الفرقة 19 مشاة التي أخذت مواقعها غرب القنال مباشرة في نطاق مهام الجيش الثالث الميداني، وبصفتي ضابطًا مهندسًا “رئيس فرع المركبات” كنت أمر على كل الوحدات لعمل صيانة وإصلاحات دورية لعربات ومركبات الفرقة، وكان العدو الإسرائيلي أمامنا على الجانب الآخر من القناة، يبني في خط بارليف، ويقيم ساترًا ترابيًّا منيعًا.

حدثنا عن قصة خط بارليف؟

في الناحية الشمالية من القناة كان العدو الإسرائيلي يبني في كثبان رملية طبيعية بالإضافة إلى ناتج حفر قناة السويس، واستمر في البناء حتى وصل للحافة الشرقية من القناة.

كم استغرقت القوات الإسرائيلية في بنائه؟ وهل كان حقًّا أسطورة لا تقهر؟

حوالي 3- 4 سنوات من مدينة بورسعيد إلى السويس وبارتفاع يبلغ 22 مترًا (ما يقرب من 7 أدوار كاملة) وعرض يبلغ 12 مترًا (4 أدوار) ومليء بالنقاط القوية (34 نقطة) وكل نقطة تمثل دائرة نيران متداخلة مع بعضها بعضًا، ومن ورائه خطوط دبابات على بعد 3 و5 و8 و12 كيلومترات، للقيام بالهجمات المضادة بالدبابات بالتعاون مع المدفعية والطيران، ثم أقام مواسير (نابالم) لإحراق سطح القناة.. ساتر ترابي وخط دفاع حصين فعلاً كما قيل لا يقهر.

هل لو تم قذفه بالقنابل الذرية لن ينهار كما ردد بعض القادة الإسرائيليين؟

سوف تدمر أجزاء بسيطة منه، ولكن ستبقى الأبخرة والنابالم الخارج منه، وفي أواخر مايو 1969 صدرت تعليمات لفرقتنا 19 أنها تعبر خط بارليف، وكانت الاستعداد حينذاك والتفكير القائم حول كيف نفتح ثغرة بداخله، هناك من أشار إلى الضرب بالمفرقعات والذخيرة والمدفعية والصواريخ والطيران، حتى وصلوا إلى ما ذكرت بالقنابل الذرية.

ولكن خسائر تلك المعركة ستكون غالية ومكلفة جدًّا.

الخسائر التي كانت مقدرة لتلك العملية 20 ألف شهيد، ولكن بعد نجاح فكرة إزالة الساتر الترابي بالماء لم تزد عن 87 شهيدًا، ولذلك حين ذكروا ذلك أمامي في الاجتماع ترددت كثيرًا في الموافقة على ذلك، أنا اللي هاشيل المفرقعات والألغام، فرفعت يدي إلى قائد الفرقة، فقال لي: اصبر إنت اللي هتتكلم في الآخر، وتتحمل هذا الهم كله. فذكرت له: عاوز أتحدث فيما سمعته يا أفندم.. فسمح لي بالحديث.

هنا تحدثت عن فكرة ربنا ألهمني بها خارج الصندوق، فقلت: على فكرة فيه قوة تانية موجودة هي المياه مثبتة عبر زوارق خفيفة في القناة، يتم وضع طلمبات ماصة كابسة قوية تسحب المياه، وتضخها من خلال مدافع المياه التي يحملها الضفادع البشرية وإزالة أجزاء من الساتر الترابي المنيع وبميل كبير يزيد على 77 إلى 80 درجة، وحين تدفع المياه في ذلك الميل، سوف يتم تحريك الساتر الترابي، ومع استمرار تدفق المياه على الساتر الترابي سوف يتم فتح الثغرة بالعمق الذي نريده.

هل سبق أن فكرتم في تلك الفكرة قبل اجتماعكم مع القادة؟

أبدًا والله جاءتني فجأة وأنا كنت حاضرًا للحديث عن شغل المركبات، وحين سمعت كلامهم عن إزالة الساتر الترابي، وبحكم شغلي السابق في السد العالي حينذاك كل الرمال تم نقلها بالتجريف، وأثناء عملي بالفرقة 19 كنت أرى ما يفعله العدو الإسرائيلي، ولأني مهندس فإن لديَّ خبرة في نظرية المقذوف بحسب قانون نيوتن الثاني، وأحد الزملاء قاطعني بسؤال عن احتمالية ألا تفتح ثغرات بعد كل ذلك، فقلت له: مش ممكن، ولكن في حالة ما إذا كانت تلك الرمال قديمة، من الممكن أن تستغرق وقتًا أطول من العوامل الجوية، وسوف يفتح بعد ذلك بحسب نظرية المقذوف.

ماذا كان رد فعل قادة الجيش بعد سماعهم تلك الفكرة الجديدة؟

صمت تام و”هس هس” في القاعة، لدرجة أنني خفت وقلت لهم حرفيًّا: “هو أنا خرفت ولا ايه؟”، وذكرتهم أثناء عملي في السد العالي وإزالة كل رمال السد بالتجريف، أننا كنا نسحب المياه من النيل عبر طلمبات يتم ضخها فوق جبال الرملة القائمة حول السد من النوع المناسب، ويتم إقامة حوض خليط في الجبل مخصص لتجميع المياه فيه، وتشفط الطلمبات الخليط من الحوض لجسم السد والرملة تترش بالمياه ترجع للنيل من جديد، والمواسير كانت 60 سم، ويتم وضع طلمبات تقوية على مسافات معينة، وحينذاك بدأت المناقشات معي والاقتناع بعد ذلك.

هل كان تنفيذها مكلفًا؟

إطلاقًا، لأنها طلمبات مستوردة من إنجلترا وألمانيا، الأولى فتحت في 3 ساعات، والثانية بعد تعديلها فتحت في ساعتين وربع، والتكلفة ماتتحسبش في الحرب (أقل من الذخيرة والمفرقعات والطيران) كلام فارغ، والأهم تكلفة حماية 20 ألف روح.. في الموجات الأولى للمعركة كانت أعداد الشهداء من الجنود والضباط المصريين 87 شخصًا فقط، والروح المعنوية أيضًا كانت فارقة، لدرجة أنهم كانوا يضعون النابالم تحت الساتر الترابي لإحراق كل من يحاول فتح ثغرة بداخله.

كانت القوات لا يصح أن تنتظر من 12-14 ساعة، والتجارب التقليدية تقول إن الخسائر تبلغ 20٪ في الصفوف الأولى، والفكرة تعتمد على تقليل الخسائر، وبعدها قمنا بعمل تجربة في جزيرة البلاك داخل القناة، على ساتر ترابي طبيعي مكون من أعمال التوسيع والتطوير التي كانت تتم في القناة، وتم فتح الثغرة في ٣ ساعات ونصف، ومن وقتها تم إقرار استخدام المياه المضغوطة في فتح الثغرات في الساتر الترابي.

كم استغرقت عملية فتح الثغرات داخل الساتر الترابي؟

بدأنا العملية الساعة الثانية ظهر يوم 6 أكتوبر 1973 ومع حلول السادسة مساءً تمكنت القوات المصرية من فتح أول ثغرة، وقرب الساعة العاشرة ليلاً تم فتح 60 ثغرة كاملة، ونزلت أكثر من 90 ألف متر مكعب من المياه من فوق الساتر الترابي المنيع الذي لا يقهر، وخط بارليف صار مثل المنخل في أقل من 8 ساعات فقط، وفي صباح اليوم التالي تم فتح 87 ثغرة، وكل القوات مرت، وتم محاصرة كافة النقاط القوية به، وحين دخلت إحدى النقاط القوية بعد سقوطها بـ6 ساعات وكنت وقتها رئيس فرع مركبات الجيش الثالث، كان شكلها مثل المجزر في يوم العيد.

ماذا كان رد فعل العدو من ذلك الأمر؟

كل الذين حاربونا في 73 وأحفادهم لن يتمكنوا من الوقوف أمام الجندي المصري الأصيل بقوته واحتفاظه بموقعه وحفاظه على أرضه واعتزازه بكرامته (الأرض عرض).

هل تم تكريمكم على فكرتكم عقب انتهاء الحرب؟

كفاية عليَّ ربنا يكرمني ويعطيني هذه الفكرة الجديدة التي لم أدرسها في كتاب أو أسمعها في محاضرة أو مرت علي في تخصصي، وحين وقفت أتحدث لم تكن في ذهني، هل فيه تكريم أكثر من ذلك حتى أبحث عن مثل هذا الكلام الفارغ من مين؟ ولمين؟ أنا ابن البلد وحق عليَّ أن أدافع عن ترابها.

ما آخر منصب مدني التحقتم به؟

عملت ضابطًا مهندسًا بالجيش منذ عام 1954 وحتى عام 1984، وعشت حياة عسكرية خالصة للوطن، وعندما خرجت من الجيش عملت في أكثر من وظيفة مدنية، رئيسًا لشركة أتوبيسات غرب الدلتا والوجه القبلي، ثم الصعيد في نهاية الثمانينيات.

كيف ترى الأوضاع الجارية في سيناء بعد 44 عامًا على نصر أكتوبر؟

من الممكن أن ينتهي في 6 ساعات بالنابالم والطيران الهليكوبتر، نقذف كل الإرهابيين بعد إخلاء المنطقة من المدنيين، ولكن خوفنا الأكبر على الأهالي هناك، ولو هجرنا الأهالي كما حدث في 73 بمدن القناة (بورسعيد والسويس والإسماعيلية) لأصبح لدى القوات الجوية الحرية الكاملة في التعامل مع العناصر الإجرامية.

ما الرسالة الأخيرة التي توجهها للمصريين والنظام السياسي الحالي؟

مصر بخير ومحروسة، و6 أكتوبر 1973 رسالة من ربنا يقول لنا: لا تقلقوا مهما تكالبت عليكم الأعداء.. أنا معكم. والجندي المصري مهما قيل عنه في وقت الأزمات والحروب لن يقف أحد أمامه، والمصريون مؤتمنون على هذا.