تعرف على أبرز تطورات الميدان العسكري السوري

على مدار نحو شهرين، وباستخدام تكتيك القضم والتطويق، تمكن الجيش العربي السوري وحلفاؤه من استكمال تحرير الوسط والشمال السورييَن من سيطرة تنظيم داعش بمعدّل كان مفاجئا للعديد من المراقبين والخبراء.

نظرة سريعة على ما كان عليه الوضع العسكري ومساحات السيطرة في اليوم الأول من العام الحالي، ومقارنته باليوم الأول من أكتوبر الجاري، تكشف ما تم من إنجاز عسكري جاء مخططا بدقة، وتؤكد ذلك نُدرة الهجمات المضادة من تنظيم داعش، وانعدام قدرته على العودة إلى المناطق التي ينسحب منها باستثناء هجمات مضادة ثلاث، طوال عشرة أشهر، شُن آخرها منذ بضعة أيام.

توضّح المقارنة بين الخريطتين أدناه ما أُحرز من تقدم لقوات الجيش السوري ومحور المقاومة، باللون الأحمر، وتمثّل الأولى مناطق السيطرة في التاسع من يناير والثانية في الحادي والعشرين من أغسطس.

وفقا للخريطتين، نرى أن التقدم الحاسم للجيش العربي السوري ومحور المقاومة في عام 2017 اعتمد على بسط الهجمات في 3 كتل جغرافية – محافظات رئيسية، هي حمص وريف دمشق وحلب، ومن الجنوب الغربي للأخيرة تمت السيطرة على جنوب الرقة ومن ثم عزل مساحة السيطرة الكردية بها عن باقي المحافظات نحو الجنوب، لتظل معادلة الشَمال الأقصى السوري والسيطرة الكردية فيها عالقة نسبيا حتى الآن، في ظل استيلاء الأكراد على الحسكة بالكامل وشمال الرقة وقطاعين من الريف الشمالي لحلب.

ارتكازا على حقائق الجغرافيا السياسية السورية، عملت القيادة العسكرية للجيش العربي السوري على إنهاء سيطرة داعش في الريف الشرقي لحمص، وهي ليست فقط أكبر المحافظات السورية من حيث المساحة مما سمح لداعش بالسيطرة على مساحات مترامية الأطراف منها، بل أيضا كفلت السيطرة عليها مد أذرع ومرتكزات لداعش في محافظة ريف دمشق الواقعة إلى الجنوب من حمص، وفي الريف الجنوبي للرقة الواقع إلى الشمال الشرقي منها، فضلا عن القاعدة الداعشية الكبرى في دير الزور، من هنا كانت سيطرة داعش على المحيط الصحراوي لحمص شريان حياة لإبقاء تهديدها لريف دمشق ومحافظة حماة والريف الجنوبي الشرقي لحلب، الواقع تحت سيطرة الجيش العربي السوري، ودرعا واقيا ومساحة عازلة عن دير الزور، التي مثّلت معقلا لداعش بعد سقوطها في الرقة.

تلك السمة “الوسطية” المميزة لحمص هي عينها ما تم الاعتماد عليه بتحريرها من داعش، فكانت الانطلاقات السورية المتتابعة من الجهات الأربع لمدينة تدمر في ريف حمص الشرقي، نقطة الوسط والمركز هندسيا وجغرافيا للكيان السوري. من تدمر اندفع السوريون نحو الغرب والشمال الغربي لتصفية داعش في المحيط الحَضَري الأقرب لمدينة حمص نفسها، وفي هذا الإطار تم تحرير العشرات من حقول الغاز الطبيعي، ودفع داعش من محيط حمص وحدودها الإدارية مع محافظة ريف دمشق نحو الصحراء أي الظهير الصحراوي الشرقي لحمص، ومن تدمر جاءت اندفاعة نحو الجنوب والجنوب الغربي لتصفية الوجود الداعشي في محافظة ريف دمشق، الملاصقة للعاصمة دمشق من جهة الشمال وذات الظهير الصحراوي الكبير، في عملية اتسمت بصعوبة بالغة، إذ تم فيها الفصل ميدانيا بين داعش والفصائل المصنوعة أمريكيا وسعوديا، والتي لم تزل محتفظة بجيب من السيطرة في القلمون الشرقي بريف دمشق، ومن تدمر اتجهت انطلاقة نحو الشمال الشرقي في اتجاه دير الزور حيث تم الوصول إلى السخنة، نقطة الوسط بين دير الزور وتدمر، مما أنجح المخطط السوري المحكم بالوصول إلى دير الزور المُحاصَرة داعشيا من محورين، أولهما القادم من تدمر، وثانيهما المندفع من ريف حلب الجنوبي الغربي إلى ريف الرقة الجنوبي.

الخريطة أدناه توضح وضعية السيطرة في تدمر ومحيطها وسط سوريا وشرق حمص، في أول مايو من العام الحالي، ومن هناك كانت الاندفاعة متعددة الاتجاهات

من تدمر ووفقا لتكتيك القضم، قام التخطيط السوري بتقسيم المساحة الشمالية المتاخمة إلى مربعات للعمليات، وتم العمل على تصفيتها تدريجيا سواء بإعادة فصل وتقسيم كل مربع على حدة، أي إلى مربعَين أصغر، أو بتطويق كل مربع وتصفيته بالهجمات المباشرة انطلاقا من نقاط التمركز المحيطة به والقائمة على أطرافه.

كما هو موضّح في الخريطة أعلاه إلى اليسار، والتي تُظهر وضعية السيطرة في أواخر يوليو، تم تشكيل وفصل وتطويق ثم تصفية الجيوب 4 و5 و1، الأمر الذي مهد في حد ذاته لتصفية المربع الأوسع مساحة منها إجمالا، أي رقم 3، باستثناء قطاع محدود يتم العمل عليه الآن، ويمثل المربع الأكبر على الإطلاق وهو المربع رقم 2 كامل محافظة دير الزور، ليصل الوضع إلى ما هو موضّح على الخريطة أعلاه إلى اليمين، والتي تُظهِر مساحات السيطرة بتاريخ اليوم، السابع من أكتوبر، إذ تم حصر داعش في محافظة دير الزور، المربع رقم 2، والتي تحاول قوات سوريا الديموقراطية الكردية، المدعومة أمريكيا، منافسة الجيش العربي السوري على السيطرة عليها، مع ما يضمنه ذلك من استيلاء للأكراد على حقول نفطية غنيّة وهامة، ستكون داعما اقتصاديا رئيسيا لهم في حال قيام مشروعهم المأمول لتقسيم سوريا، أي ما يُطلَق عليه “فيدرالية الشمال السوري” الكردية.