ترامب والهروب للأمام بالانسحاب من الاتفاق النووي (تحليل)

خلال أيام سيصادق الكونجرس على مشروع قانون يجمد القوانين المعطلة لقوانين العقوبات ضد إيران المتعلقة ببرنامجها النووي، ويغلظ من العقوبات الأخرى ويفرض عقوبات جديدة خاصة بأنشطة طهران العسكرية وعلى رأسها البرنامج الصاروخي، وكذلك ما يتعلق بدعمها لحركات المقاومة في لبنان وفلسطين. ويهدف ذلك حسب تصريحات مسئولين أميركيين على رأسهم الرئيس دونالد ترامب، إلى “تحجيم نفوذ إيران وخطرها على المصالح الأميركية في الشرق الأوسط”، وذلك في وقت حساس يتعلق بإعادة ترتيب جغرافية المنطقة سياسياً في مرحلة ما بعد داعش، وتركز هذا الأمر في سوريا والعراق، والتي باتت المعادلات الميدانية فيها أشبه بحرب باردة بين القوى المتصارعة على الأرض.

هنا يرتبط انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي بتضييق الخناق تجاه إيران، على قاعدة قديمة مفادها الضغط بالعقوبات إلى الحد الأقصى، وأن الإدارة الأميركية السابقة جانبها الصواب في توقيع مثل هكذا اتفاق محصور فقط في الشأن النووي، وليس كافة الملفات التي تعترض عليها واشنطن وأهمها قدرات إيران الصاروخية، وسياساتها في المنطقة وخاصة المتعلقة بسوريا والعراق، وهو الأمر الذي في نظر الإدارة الأميركية الحالية لا يشكل فقط عودة إلى مربع الضغط بالعقوبات، ويجهض ما قد تستفيد إيران من ثمار الاتفاق النووي وأهمها إلغاء العقوبات الأممية، وهو ما يخلق فرص اقتصادية مع باقي دول العالم، على عكس ما كان يحدث إبان العقوبات والحصار الاقتصادي طيلة العِقد الماضي، ولكن أيضا يشكل قاعدة شراكة جديدة بالنسبة لواشنطن وحلفائها في المنطقة؛ فيشكل توحيد السياسات بينهم وقيادة واشنطن لها ضد طهران أرضية جديدة للعلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها، الذين رأوا في مسلك الإدارة السابقة تجاه إيران، وتحديداً تجاه برنامجها النووي والاتفاق الذي أبرم بينها وبين دول 6+1، أنه أعطى الأخيرة دفعة إلى الأمام في نفوذها الإقليمي وعلاقاتها بمختلف دول العالم، وأن تنفيذ الاتفاق يعطي دفعة اقتصادية لطهران تمكنها من فرض شروط وتحقيق نقاط فيما يخص المتغيرات الإقليمية، وهو ما تبين خلال الشهور الماضية بالاستناد إلى الانجازات الميدانية لحلفاء إيران في كل من العراق وسوريا.

ويمتد السابق إلى تركيز أولويات واشنطن في عهد إدارة ترامب فيما يخص الشرق الأوسط إلى أولوية شبه وحيدة هي مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، وهو الأمر الذي يتقاطع مع بشكل أكبر من أي ملف أو أزمة أخرى مع حلفاء واشنطن وعلى رأسهم تل أبيب والرياض؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر تشكل الأزمة القطرية في نظر ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان “مشكلة صغيرة جداً جداً” بتعبيره في لقاءه الأخير مع وكالة بلومبرج، فيما شدد في كافة إطلالاته الإعلامية في العاميين الماضيين على أن مواجهة إيران أولوية مطلقة، وبالتالي فإن كافة الأطراف السابقة، بما فيها المتخاصمين –مثل الدوحة والرياض- يروا في مسعى ترامب الراهن إيجابية مطلقة تتجاوز كافة الخلافات والقضايا العالقة بين حلفاء واشنطن بعضهم البعض، وبينهم وبين واشنطن أيضاً.

هنا يمكن تلخيص أولويات إدارة ترامب في الشرق الأوسط المتعلقة بإيران في: أولاً إعادة طرح الاتفاق النووي على مائدة التفاوض، ثانياً تقليص نفوذ إيران في التأثير على ملفت المنطقة المهمة مثل الأزمة السورية والحرب في اليمن، ثالثاً: دعم حلفاء واشنطن أمام طهران وتحديداً إسرائيل و السعودية عبر مزيد من الدعم العسكري والأمني والسياسي والاقتصادي عبر الإبقاء على عقوبات اقتصادية بحق إيران سواء المتعلقة بالبرنامج النووي أو غيره من الملفات. وطبقاً لهذه الأولويات الأميركية يتم إعادة ترتيب العلاقات بين الدول الحليفة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط ببعضها البعض وبينها وبين واشنطن؛ فجميع هذه الدول تصطف تحت مظلة أميركية تقلص الخلافات بينهم، وترتب أولويات كل دولة وفق إرادة ورؤية واشنطن وأولوياتها، التي لم تغفل هواجس ومخاوف حلفائها ولكن ستعالجها على الطريقة الأميركية وليس طبقاً لما أرادته هذه الدولة أو ذاك بأن تفعله واشنطن؛ مثل السعودية وإسرائيل تجاه إيران وخيار الحرب الذي يلحون عليه منذ 10 سنوات، أي أن تشن الولايات المتحدة بكل قوتها العسكرية والسياسية والاقتصادية ضد إيران ونفوذها وبرنامجها النووي، وهو ما تحاول واشنطن أن تفعله ولكن عبر اصطفاف إقليمي جديد يضم دولاً عربية وإسلامية سقفه السياسي والعسكري حتى كتابة هذه السطور يميل نحو التصعيد لا التهدئة.

من جهة أخرى، وبشكل محصور بين ثنائية طهران وواشنطن، فإن الأخيرة كانت منذ توقيع الاتفاق النووي تضع العراقيل القانونية في سبيل تنفيذه، وليس الأمر وكأنه تملص فقط من الاتفاق، ولكن تحويل مسارات تنفيذه لربطه بملفات أخرى، مثل العقوبات الأميركية حول البرنامج الصاروخي، وهو الأمر الذي كان خارج المفاوضات النووية، ولم يشمله الاتفاق، وبالتالي فإن واشنطن عمدت إلى تحوير مفاعيل تنفيذ الاتفاق النووي في الشهور الأخيرة لولاية أوباما، لربطها بملفات أخرى تجعل تنفيذه عملياً غير ذي جدوى بالنسبة لإيران؛ فعلى سبيل المثال عطلت الولايات المتحدة الإفراج عن الأرصدة المالية لإيران في البنوك الأميركية والتي تقدر بمليارات الدولارات بعد بدء سريان الاتفاق، بقوانين داخلية خاصة بعقوبات على أنشطة أخرى بخلاف البرنامج النووي، بما جعل عملياً الاتفاق رهن التعطيل والتلكؤ المستمر، ليأتي ترامب برؤية أكثر تطرفاً وهو إلغاء أو انسحاب واشنطن من الاتفاق، وذلك عبر مشروع قانون يلغي القوانين المعطلة لتجميد العقوبات، والتي اجترحتها الإدارة السابقة لتمرير الاتفاق في الكونجرس، لكن الأن ومع المراجعة الدورية لهذه القوانين، وميل ترامب منذ أن كان مرشحاً لمهاجمة الاتفاق النووي، فإنه من البادي أن استمرار واشنطن في الاتفاق ظاهرياً وتعطيله عملياً، لم يعد يناسب الإدارة الراهنة التي باتت تميل للصدام أكثر من أي وقت مضى.

السابق له أيضاً دوافع داخلية متعلقة بالمناخ العام للسياسات الأميركية في عهد إدارة ترامب، وليس فقط كأرضية للشراكة بين واشنطن وحلفائها؛ فالتهديد الذي يكرره ترامب على شفا التنفيذ عبر توافق بين البيت الأبيض وباقي مؤسسات الحكم والتشريع في واشنطن، ما يعد بالنظر إلى المشكلات التي تلاحق ترامب أمراً توافقياً، قد يساهم ليس فقط في توجيه الأنظار بعيداً عن علامات استفهام كبيرة تتعلق بترامب بشكل أو بأخر، ولكن في تسيير فترة حكمة الأولى وتمهد إن نجح في السابق في الترشح لثانية، خاصة وأن معالجة لا إجابة هذه التساؤلات وعلامات الاستفهام وحتى التعجب تتعلق بمدى جدارته بهذا المنصب حسب طريقة إدارته للأمور بعد عام تقريباً منذ أن دخل البيت الأبيض؛ أمور متعلقة بملفات داخلية/ خارجية أقلها الخلافات بينه وبين مؤسسات الحكم الأميركية، بل حتى مع من اختارهم في إدارته، وأخطرها ما يشاع عن تدخله في سير تحقيقات عن علاقته هو ورموز حملته بموسكو، التي يراها نسبة معتبرة من الأميركيين حالياً حسب أخر استطلاعات الرأي أنها تلاعبت بنتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية، وأوصلت ترامب إلى البيت الأبيض!

وتبقى ملحوظة أخيرة تتعلق بما ما ينتويه ترامب بخصوص الاتفاق النووي، وهي أنه لا يمثل شخصه فقط وإدارته ولا حزبه ذي الأغلبية في الكونجرس، لكن يمثل مزاج عام في الدوائر السياسية الأميركية حتى الديمقراطيين منهم، على ضوء المتغيرات الجديدة في الشرق الأوسط وتوابع ما بعد القضاء على داعش، التي يبدو أن واشنطن لا تمتلك فيها اليد العليا التي ضمنتها في السابق بشكل آلي اعتيادي، ما يتوافق بشكل بنيوي مع أزمات ترامب في منصبه الجديد، وكذا يتوافق مع حلفاء واشنطن وعلى رأسهم السعودية وإسرائيل، ليطور ترامب من خطابه تجاه الاتفاق النووي ليشمل على حد قوله “استراتيجية لمواجهة إيران في الشرق الأوسط” على كل الأصعدة والامتدادات، ما ينطوي على مغامرة تليق برجل أعمال شعبوي مثل ترامب يعتمد على العلاقات العامة والإعلام كسياسة وليس أحد أدوات تنفيذها، يرى أن التوافق مع المتحفظين على نهجه في مختلف مؤسسات الحكم في الولايات المتحدة حول مستقبل الاتفاق النووي يشكل في حد ذاته فرصة للهروب للأمام من عقبات وأسئلة داخلية تهدد استمراره في البيت الأبيض.