ترامب المربك في الشرق.. تصعيد مع طهران وحزب الله وموسكو

عند التعامل مع السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، لا بد من التركيز على الثوابت والمتغيرات فيها، وعند الحديث عن الثوابت لا بد من تحديد أطرها والتي لا تبتعد عن حماية مصالحها ومصالح الكيان الصهيوني في المنطقة، وغالبًا ما دون ذلك يمكن وضعه في إطار المتغيرات كعلاقاتها مع الأنظمة العربية ومواقفها من تركيا وحلفها مع الأكراد، وبما أن حماية الكيان الصهيوني ثابتة في السياسة الأمريكية، فأعداء هذا الكيان السرطاني هم أعداء لأمريكا، وبالتالي لا توافق أمريكي مع إيران وحزب الله، فمنذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية وواشنطن تناصب العداء لطهران، لأنها غيّرت نهجها من دولة الشاه المحابية لأمريكا وإسرائيل إلى دولة مستقلة في قرارها وتدعم حركات المقاومة في المنطقة كحماس والجهاد وحزب الله.

ومن هنا لا جديد في السياسة الأمريكية في تعاطيها العدائي مع محور المقاومة، ولكن المتغير الجديد أو الإضافي في هذه العلاقة هو وصول الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى سدة الحكم في أمريكا، والذي دائمًا ما يوصف بأنه صاحب شخصية متهورة ومتسرعة، نفّرت حتى المقربين منه من الساسة الأمريكيين، ما اضطر بعضهم لتقديم استقالته.

بالأمس رصدت وزراة الخارجية الأمريكية مكافأة مالية قيمتها 12 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى تحديد مكان أو اعتقال أو إدانة اثنين من كبار قادة حزب الله، وهم طلال حمية وفؤاد شكر، قبلها بيوم دار الحديث في الأروقة الأمريكية عن إدراج الحرس الثوري الإيراني على قوائم الإرهاب، وهو الأمر الذي دفع إيران إلى التوعد برد “ساحق” إذا أقدمت واشنطن على هذه الخطوة. وخلال الأسبوع الماضي وصف ترامب مجددًا الاتفاق المبرم بين الدول العظمى وإيران حول برنامجها النووي بأنه “اتفاق سيئ للغاية”، وذلك قبل أيام من قراره المنتظر منتصف الشهر الجاري بشأن ما إذا كانت إدارته ستواصل احترام هذا الاتفاق أم لا.

كل ما تحاول واشنطن فعله من عقوبات على حزب الله وإيران ليس بالأمر الجديد في إطار الحرب الوجودية التي أعلنتها إسرائيل ضد العرب والمسلمين، ولكن عندما تتوتر العلاقات بين موسكو وواشنطن أيضًا، فلا بد من الالتفات إلى الملف السوري والعراقي، وهنا نجد أن حالة الارتباك الأمريكي أصبحت واضحة، فمع انهيار داعش السريع، والذي وقف خلفه كل من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله، بجهودهما الواضحة في قتال داعش في سوريا والعراق ولبنان، بدأت قرارات ترامب بالتخبط، فمن جهة يحاول الرئيس الأمريكي دفع التهم الموجه لواشنطن بدعم التنظيمات الإرهابية خاصة بعدما طال الإرهاب العديد من العواصم الأوروبية، ومن جهة أخرى ما زال يحاول الاستثمار في داعش، فواشنطن لا تملك بديلاً قويًّا يملأ الفراغ الذي سيتركه داعش، وإن كانت تراهن على الأكراد، وفي نفس الوقت ليس لواشنطن انتصارات ميدانية في سوريا كما لروسيا، وبالتالي لا أوراق أمريكية قوية لتلاعب بها موسكو ومحور المقاومة، فواشنطن حتى اللحظة خارج الحسابات العسكرية والسياسية كما شاهدنا في آستانة، وهو الأمر الذي يضر إسرائيل على كل حال.

من سمات الارتباك الأمريكي في سوريا أن ترامب قرر في شهر يوليو الماضي إغلاق البرنامج السري لوكالة الاستخبارات المركزية لتسليح المعارضة السورية، وأن أي دعم أمريكي للتنظيمات المسلحة سيكون لقتال داعش وليس موجهًا ضد الجيش السوري، ولكن نجد أن واشنطن اليوم تصعد من نبرتها ضد إيران وحزب الله وموسكو، وتستهدف مواقع للجيش السوري، وهي الأطراف التي تقاتل داعش بالفعل، فأمريكا وحلفاؤها لا يقاتلون داعش بالفاعلية المطلوبة، وشهادة وزير الدفاع الأمريكي السابق أشتون كارتر، قبل أيام، حاضرة، والتي اتهم فيها دول الخليج بعدم ترجمة أقوالها إلى أفعال فيما يتعلق بقتال داعش في سوريا والعراق، والأزمة الخليجية التي تتبادل فيها قطر والسعودية الاتهامات بدعم الإرهاب خير دليل على أن أمريكا أعطت هذه الدول الضوء الأخضر لدعم داعش والنصرة من أجل إسقاط النظام في سوريا.

وعن قتال واشنطن لداعش، فآراء المحور الروسي وحلفائه تشير بوضوح إلى أن أمريكا تماطل في قتال هذا التنظيم الإرهابي، حيث اتهمت روسيا الولايات المتحدة، الثلاثاء الماضي، بالتظاهر بمحاربة تنظيم داعش وتعمد تقليص ضرباتها الجوية فى العراق، للسماح لمقاتلي التنظيم بالتدفق إلى سوريا، لإبطاء تقدم الجيش السورى الذى تدعمه روسيا.

الاتهامات الروسية قابلها تصعيد أمريكي ضد موسكو، حيث أزالت أمريكا بالأمس علم روسيا من أعلى مبنى البعثة التجارية بواشنطن، كما أن السلطات الأمريكية قامت بالاستيلاء على الممتلكات الدبلوماسية الروسية في الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي أثار استياء موسكو.

بدوره قال الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله “إن واشنطن تسعى لإطالة عمر داعش”، وهو الكلام الذي أكده وزير خارجية سوريا، وليد المعلم، بالأمس، حيث قال “إن التحالف الأمريكي يدمر كل شيء فى سوريا ما عدا داعش”.

ويرى مراقبون أن ارتفاع الموجة التصعيدية الأمريكية ضد إيران وحزب الله وموسكو، يتزامن مع اندحار داعش في العراق ولبنان وقريبًا في سوريا، وهو الأمر الذي قد يعطي مؤشرًا على أن الولايات المتحدة الأمريكية باتت تدرك أن الخطة التي وضعتها لتدمير محور المقاومة عن طريق إنهاك هذا المحور بقتال تنظيمات إرهابية أشرفت واشنطن على تمويلها ودعمها وإدخالها عبر الحدود التركية إلى سوريا والعراق في طريقها إلى الاضمحلال، وبالتالي تبحث إدارة ترامب عن منافذ أخرى تقوض بها هذا المحور بغض النظر عن جدوى هذه المنافذ بما في ذلك الحلول العسكرية، وهنا نجد أن هناك تقاطعًا للمصالح بين واشنطن وتل أبيب والرياض، حيث دعا وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي، ثامر السبهان، إلى تشكيل تحالف دولي ضد “حزب الله” اللبناني وحلفائه، وهو الخيار الذي يثبت ارتباك واشنطن وحلفائها في المنطقة، فالحديث عن تحالف عسكري غير ممكن في هذا الوقت، فالأزمة الخليجية كشفت عن وجود تصدعات بين الدول الحليفة لواشنطن، والتي كانت من المفترض أن تشكل ما يسمى بالناتو الإسلامي، كالسعودية وقطر وتركيا ومصر، كما أن السعودية نفسها باتت تدق أبواب موسكو لإيجاد بدائل سياسية وعسكرية لها، وهو الأمر الذي سيفرض عليها تعاطيًا مختلفًا مع طهران الحليف العسكري لروسيا في سوريا.

ارتباك القرار الأمريكي انعكس أيضًا على تصريحات الساسة في الداخل الأمريكي، حيث حذر السيناتور الجمهوري، بوب كوركر، الأحد الماضي، من أن تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المندفعة للدول الأخرى تضع الولايات المتحدة «على مسار حرب عالمية ثالثة».