المدينة.. نحو جولة لاستعادة الحقوق (2)

تتعرض المدن التاريخية في البلاد التي تقع فريسة للرأسمالية المتوحشة إلى محاولات عديدة هدفها محو معالمها وطمس هويتها، وتحويلها إلى سلعة للمتاجرة بها؛ فيتم هدم أحيائها القديمة بشكل متسارع؛ تمهيدا لغزوها بالأبراج والمراكز التجارية ومطاعم الوجبات السريعة، وغيرها من مظاهر النيوليبرالية التي تهدف ظاهريا للكسب السريع وتحقيق أعلى عائد، مع توفير وسائل لابتلاع فوائض القيمة من أجل تأجيل حدوث الفجوة الحتمية في الدورة الرأسمالية؛ إلا أن الهدف الخفي لها هو إزهاق روح المدينة التاريخية، التي تشكل –دائما- نبض المجتمعات، وصانعة كتلتها الحرجة، وحراكها الوطني.. فالنيوليبرالية لا تغفل عن أعدائها ولا تمهلهم من الوقت ما يسمح بتنظيم الصفوف وإعادة بث روح النضال القديم، واستقطاب أفراد جدد كمناصرين للفكرة؛ لأنها تدرك جيدا مكامن القوة والضعف فيها مما يحتم عليها ألا تسمح بخروج هذه التنظيمات (المدينية) للوجود؛ لأن وجودها حتى في حال الضعف يمثل تهديدا كبيرا لها.

الحق في المدينة وأمراض التمدن

إن الحق في المدينة يمثل وجهة نظر تقدمية تطالب باستعادة الحقوق، وإجراء تغيرات جوهرية وجذرية تتجاوز الشكل إلى المضمون بحيث يطال التغيير مجمل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي تحكم حياة الإنسان، وتفرض عليه طريقة التعاطي مع محيطه، فتسلب إرادته لحساب القلة المتحكمة في رؤوس الأموال، واتخاذ القرار الذي لا يضع مصالح وطموحات الناس في دائرة أولوياته بل يكرس لسيطرة الطبقة وتغول نفوذها.
يشير “توماس ديلورينزو” إلى أن هذا التوحش الرأسمالي قد أورث الإنسان المقهور في المدينة الحديثة أمراضا أسماها أمراض التمدن حولت حياته إلى مجال واسع للاستغلال الذي سلَّع كل شيء؛ وخلّف أشكالا وألوانا من التلوث هي نتاج دينامية السياسة الرأسمالية والاقتصاد التي تباشر القضاء على مصالحه -لا قضاء مصالحه- داخل شرايين الميدان العقاري، وفقا لقانون السوق ويلمح “إغـنـاسـيـو رامـونـي” إلى أن الخطورة تكمن في أن يصبح السوق “نموذجا يصنع مادة التفكير ويشكل الحياة”.

إنهم يزعمون –دائما- أنهم الأقدر على إدارة الموارد بما يتفق مع استيعاب المستجدات من أجل الاستدامة، وهذا زعم باطل لا يهدف إلا لانتزاع الحق من الناس في إعادة تشكيل مدنهم بطريقة تبقي على هويتها، وأصالتها وعلى نحو يمكنهم من المحافظة على ثقافتهم الخاصة الناتجة عن تفاعلاتهم الممتدة عبر الزمن في وجود المدينة كطرف بالغ الفاعلية والتأثير.

ترييف المدينة خطوة للخلف بل خطوات

يتبنى البعض دعاوى تبدو عنصرية بشأن أهمية التصدي لهجرة أهل الريف إلى المدينة؛ إذ يرون في ذلك هدما للقيم المدينية أو تشويها لها؛ وذلك لأن أهل الريف متمسكون بعاداتهم وتقاليدهم، وفي الغالب ستصطدم تلك العادات والتقاليد مع الثقافة المدينية، فمن المعلوم أن مجتمع القرية يكتسب قوته من تماسكه وتقارب أفراده، والامتثال- إلى حد كبير- إلى النمط السائد؛ الذي لا يرتاح كثيرا لفكرة التمايز والاختلاف، على عكس المجتمع المديني الذي تكمن قوته في القدرة على استيعاب النقائض، والاحتفاء بالتنوع وإعلاء قيمة التفرد.. كما يقول ” ماكس فيبر” الذي عرف المدينة على أنها “ذلك الشكل الاجتماعي الذي يؤدي إلى ظهور أنماط متعددة وملموسة في أساليب وطرق الحياة، مما يسمح بظهور أعلى درجات الفردية الاجتماعية، وهي بذلك وسيلة للتغير الاجتماعي التاريخي”. كما يؤكد “لويس ويرث” على أن من خصائص المدينة عدم تجانس أفرادها اجتماعيا.. بعكس الريف.

إنهم هنا يتحدثون عن إشكالية لا تخص المدينة وحدها؛ بل هي أيضا تخص القرية التي يتم تفريغها وتعطيل وظيفتها هدما للعلاقة بينها وبين المدينة، مما يسمح في أحيان كثيرة بظهور النعرات المهددة للسلم الاجتماعي.

من الضروري إذن أن نحافظ على العلاقة بين القرية والمدينة في إطارها الإيجابي الممتد عبر الزمن، والحق في المدينة يعنى أن يكون الانتقال وفق ضوابط تسمح بالتأثير المتبادل بين الثقافتين، بحيث تكون العلاقة الوظيفية بينهما مؤكدة وحافظة لقيم كل مجتمع، فكما نرفض ترييف المدن على هذا النحو، وبأي وسيلة كانت؛ نرفض أيضا تمدين الريف على نحو يهدر خصوصيته، ويسلبه قيمه ووظيفته.. إن الحرمان الذي يعيشه معظم أهل الريف في عالمنا العربي إنما هو نتيجة لسوء توزيع الموارد، أو عدم استغلالها على الوجه الأمثل، كما أنه نتيجة حتمية لغياب العدل الاجتماعي، والإصرار على تهميش مجتمع الريف الذي يضم حوالي 45% من سكان الوطن العربي؛ ويبدو أن هذا الإهمال المتعمد للمناطق الريفية؛ يهدف –أيضا- إلى جعلها قنابل موقوتة لتهديد المجتمع المديني كلما لزم الأمر.

ويشير المفكر الفرنسي “هنري لوفيفر” الذي وضع نظرية الحق في المدينة عام 1968، وأوضحها في كتابه” الثورة المدينية” إلى ” …كون التمايز الواضح الذي تواجد يوما ما بين الريفي والمديني سيختفي ويتحول إلى حزمة (حِياز)ٍ مسامية الحجم من نمو جغرافي غير متكافئ تحت السيادة المهيمنة لرأس المال والدولة”.

الصراع من أجل المدينة/ الإنسان

إن الحق في المدينة هو دفاع عن جملة حقوق لا تستهدف الشكل بل المضمون، لا تستهدف الحرية في تكوين التجمعات والتنظيمات بقدر ما تتلمس الطريق نحو تفعيل دورها في إعادة حق اتخاذ القرار لأصحابه الحقيقيين، وهم المدينيون، كما يهدف إلى غل يد الطبقة أو الفئة المحتكرة لرأس المال والنفوذ عن تهديد هوية المدينة بالطمس والمحو لحساب تعظيم الربح، وتسليع الإنسان، كما يؤكد الحق في المدينة على أن إهدار الحقوق على هذا النحو يهدد القيم الحارسة لوحدة المجتمع وتماسكه، وتحول دون “استدامة مُثُل الهوية والمواطنة والانتماء المَدينيّ” كما أن الانتشار السريع والمرضي للأخلاقيات النيوليبرالية ينطوي على خطورة أكبر من شأنها التمهيد الواسع لانتشار الجريمة المنظمة، وتهديد الأمان الشخصي، مما يعني استجابات أوسع لفكرة القمع-ربما كان هذا هو المقصود- بدعوى المحافظة على الأمن، ومن المعلوم أن الهدف هو إخراج المدينة – تحت كل هذه التأثيرات- من الحالة المدينية التي تمثل دافعا للإبداع الفكري، ورافدا لقوى التغيير؛ إلى منعزل مقيت يقتل روح الإنسان ويسلبه الرغبة في الانتصار لقيمه وخصوصيته، على طريق تحوله إلى مسخ نيوليبرالي يتغذى على تشوهات المدينة الحديثة الزائفة التي تبدو كمعطف بالغ الفخامة يغطي جثة متحللة.