الشرق الفنان 

فى أوائل الستينات أصدر الدكتور زكى نجيب محمود كتابا صغيرا أحدث شيئا من الدوي عند المثقفين، وهو كتاب “الشرق الفنان”، جاء بمثابة حجر الزاوية فى بناء فكرى جاء ليكمل، لا لينقص، ما أنجزه الدكتور زكى نجيب محمود خلال الخمسينات من تحديد لمنهج التفكير العلمي.
وعندما اختار الدكتور زكى نجيب محمود لهذا الكتاب الصغير اسم “الشرق الفنان” أراد بالفن أوسع معانيه، وهو أن ينظر الإنسان إلى الوجود الخارجى نظرة ذاتية مباشرة، كأنما ذلك الوجود خطرة من خطرات نفسه، أو نبضة من نبضات قلبه، وتلك هى نظرة الصوفى ونظرة الشاعر ونظرة الفنان، وهى نظرة تتم على خطوة واحدة، بخلاف العالم التجريبى الذى تتم نظرته إلى العالم على خطوتين: فى الأولى يتلقاه كما تنطبع به الحواس انطباعا مباشرا، وفى الثانية يستخلص من معطياته الحسية نظريات وقوانين يصور بها مجرى الظواهر والأحداث.
هما نظرتان إلى الوجود مختلفتان: نظرة الفنان الذى يمس الأشياء بروحه، إذا صح هذا التعبير، ليقف عندها لأنه ينشدها فى ذاتها، ونظرة العالم التجريبى الذى يقيم بينه وبين الأشياء حاجزا من قوانينه ونظرياته، فالجزئية الواحدة تهم العالم من حيث هى مثل يوضح القانون، لكنها تهم الفنان لذاتها.
وقد أشار الدكتور زكى نجيب محمود فى كتابه “الشرق الفنان” إلى المعالم الرئيسية لثلاثة أنماط فكرية ظهرت فى تاريخ الحضارة، وتلك الأنماط الثلاثة فيها طرفان متضادان ووسط يجمع الضدين فى صياغة واحدة. أحد الطرفين هو الشرق الأقصى الذى كانت السيادة فى إبداعه الثقافى للحدس الصوفى، حيث كان طابعه الأصيل العميق هو النظر إلى الوجود الخارجى ببصيرة تنفذ خلال الظواهر البادية للحس إلى حيث الجوهر الباطن، فيدرك ذلك الجوهر بحدس مباشر يمزج ذاته فى ذاته مزجا تفنى معه الفردية لتصبح قطرة من الخضم الكونى العظيم، ومثل هذه النظرة المعتمدة على اللمسة الذاتية المباشرة التى لا تحتاج إلى تعليل وتحليل ومقدمات ونتائج، هو ما يميز الفنان فى نظرة إلى الأشياء.
وأما الطرف المضاد فهو الغرب الذى كانت السيادة فى إبداعه الثقافى للعقل ومنطقه فى استدلال النتائج من مقدماتها استدلالا له شروطه وضوابطه، حيث كان طابعه الأصيل العميق هو النظر إلى الوجود الخارجى بعقل منطقى تحليلى يقف عند الظواهر مشاهدا لها وهى تطرد وتتابع على هذه الصورة أو تلك، فيجعل من هذه الاطرادات فى الحدوث قوانين يستخدمها بعدئذ فى استغلال الظواهر الطبيعية على النحو الذى يرتضيه. ومثل هذه النظرية من السير فى خطوات استدلالية تنتزع النتائج الصحيحة من مقدماتها الصحيحة، هو ما يميز العالم التجريبى فى نظره إلى الأشياء.
وهذه التفرقة التى تجعل من الشرقى يدرك الحقيقة بذوقه ومن الغربى يدرك الحقائق بالمشاهدة والتجربة والتحليل والتعليل، لا تنفى بطبيعة الحال أن يكون فى الشرق علماء، ولا أن يكون فى الغرب فنانين، لكنه نوع من التعميم الواسع الذى يفسر بعض التفسير ما هو شائع من وصف الشرق بالروحانية ووصف الغرب بالمادية. ثم جاءت الحياة الثقافية فيما يسمى بالشرق الأوسط، وسطا يجمع الضدين فى كيان واحد، ففيه حدس المتصوف والفنان وفيه منطق الفيلسوف والعالم. وإذا قلنا ثقافة الشرق الأوسط فإنما يعنينا منها الثقافة العربية بصفة خاصة؛ لأنها هى التى ورثناها فباتت من أهم العناصر التى تتألف منها الهوية العربية فى عصرنا الراهن.
لم يفترض الدكتور زكى نجيب محمود هذا التقسيم بناء على منهج التفكير الجدلى عند الفيلسوف الألمانى فريدريش هيجل، فلم يكن تصوره للأمر ذهنيا نظريا يقيم الدعوى ثم يخرج منها نقيضها، ثم يجمع الطرفين فى تأليف جديد، وإنما قام باستقراء معالم التراث الإنسانى كما شهدته عصور التاريخ بالفعل. فمن هم الأعلام فى الهند والصين، وماذا كانت أهم كتبهم التى خلفوها، ومن هم الأعلام فى اليونان القديمة (مهد الحضارة الغربية) وماذا خلفوه، وأخيرا من هم الأعلام فى التراث العربى، وما أهم الكتب التى خلفوها؟
فمن ذا الذى لا يقفز إلى ذهنه بوذا، وكونفوشيوس، ولاو تسو، إذا ما ذكرنا تراث الشرق الأقصى. وعندما نستدعى أسماء كهذه إلى الذهن، فهل تخفى طبيعة ما خلفوه، هل يخفى على أحد أن تراثهم كان أقرب إلى الحكمة التى يعبر بها صاحبها عما يحسه، وكأنه فنان يترجم لخبراته ترجمة ذاتية. ثم من ذا الذى تذكر أمامه ثقافة اليونان القديمة، فلا يقفز إلى ذهنه سقراط، وأفلاطون، وأرسطو، وشىء مما خلفوه، وأن الطابع العالم لما خلفوه كان فلسفة تضع المبادئ وتستنبط النتائج. وأخيرا من ذا الذى يذكر له التراث العربى فلا تقفز إلى ذهنه أسماء لامعة كالفارابى، وابن سينا، والغزالى، وابن رشد، والخوارزمى، وابن خلدون، ومعهم رجال من أمثال الجاحظ، والمتنبى، والحلاج، وعمر الخيام، ومحيى الدين بن عربى، وجلال الدين الرومى. وإذا ما حللنا عيون التراث العربى فى شتى ميادينه، وجدناها نسيجا متآلفا بين فكر عقلى ومنطقى، ووجدان صوفى وشعرى، حتى ليخيل للباحث أن اللغة العربية ذاتها قد ركبت تركيبا يحمل الجانبين معا، فهى منطقية إلى حد بعيد إذا قيست إلى غيرها من اللغات، ثم هى مشحونة بشحنات وجدانية إلى حد بعيد كذلك. وفى الفلسفة الإسلامية، والفلسفة مفتاح مهم لفهم طبيعة الأمة التى ظهر فيها ذلك التفكير، نرى المشكلات المعروضة للبحث، هى مشكلات دينية، ولكن طرق معالجتها عقلية خالصة، لا فرق فى ذلك بين فلاسفة الإسلام وفلاسفة المسيحية فى القرون الوسطى، لا فى نوع المشكلات ولا فى منهج البحث، سوى أن الفريق الأول مسلم يختار مشكلاته من العقيدة الإسلامية، والفريق الثانى مسيحى يختار مشكلاته من العقيدة المسيحية، لكن كل فريق منهما يلتمس لعقيدته الدينية أساسا من العقل، مستعينا فى ذلك بفلسفة اليونان وبالمنطق الأرسطى على وجه الخصوص، يترسم خطواته فى استدلال النتائج مما ورد فى النصوص التى يحللها كل منهما. والمقصود بهذه المقارنة أن نوضح جانب العقل عند المفكر المسلم، وأنه فى ذلك شبيه بالمفكر الغربى فى عقلانيته، لكنه يضيف إلى ذلك جانبا من الوجدان أبرز ظهورا مما نجده عند نظيره فى الغرب.
وشيئا فشيئا مع مر الأيام، أخذت تلك الثنائية المتآلفة فى الثقافة العربية، تبدو أمام الدكتور زكى نجيب محمود وكأنها صفة فريدة وسمة بارزة، يمكن أن تكون أساسا متينا لإقامة ثقافة عربية جديدة تصون أصالتها وتساير عصرها فى وقت واحد. ولكن كيف؟ يكون ذلك، إذا نحن حافظنا على الهيكل العام الذى بنيت عليه ثقافتنا الأصلية، ثم ملأنا الهيكل بمضمون حيوي جديد، فكما أن العلم والفن يسيران معا فى خطين متوازيين: ففى العلم عقل يعمل ويوحد بين البشر أجمعين، وفى الفن لكل فنان طابعه الفردي الخاص يستمده من حياته الباطنية التي لا يشاركه فيها إنسان آخر، فكذلك يكون موقفنا، نشارك العالم المعاصر فى علومه، وننفرد بما هو وجدان قومي خاص، وأهم ما فى هذا الجانب الوجداني الخاص المميز، عقيدتنا الدينية، وبعض تقاليدنا الموروثة، وملامح ذوقنا الخاص فى مجال الأدب والفن.