الديمقراطية الغائبة فى “كمين الواحات”!

مع قلة المعلومات الواردة – حتى كتابة هذه السطور – عن عملية الواحات الإرهابية التى راح ضحيتها عددًا من رجال الشرطة، تضاربت الآراء حول ظروف وملابسات هذه العملية، ففى حين توقع البعض وجود “خيانة” أدت إلى ارتفاع عدد الضحايا، بعد “استدراج” قوات الشرطة إلى كمين محكم أعده الإرهابيون فى الكيلو 135 على طريق الواحات، ذكر بيان أصدرته الداخلية أن عناصر إرهابية كانت تختبىء فى الصحراء فتحت نيرانها على قوات الشرطة بعد أن “استشعرت” هذه العناصر بقرب وصولها، وأن الطرفين تبادلا إطلاق الرصاص مما أدى إلى استشهاد وإصابة عدد من رجال الشرطة ومصرع عدد آخر من الإرهابيين.

بيان الداخلية المقتضب فتح الباب أمام العديد من الاجتهادات التى قال بعضها إن العناصر الإرهابية كانت تنتظر وصول القوات، وأنها حاصرتها من عدة جهات، وفتحت عليها نيران كثيفة من أسلحة ثقيلة كانت السبب فى سقوط هذا العدد الكبير من الضحايا ، وإن هذه العناصر الإرهابية يقودها ضابط صاعقة سابق يدعى هشام العشماوى، وإنه ينتمى لتنظيم اسمه “المرابطون” تلقى أعضاؤه تدريبا عسكريا فى ليبيا تحت إشراف عناصر “داعش”، وإن العملية أكبر من قدرات مجموعتى “حسم” و”لواء الثورة” المحسوبتان على تنظيم الإخوان المسلمين.

أيا كانت الأخطاء أو الخطايا العسكرية فى “معركة الواحات” والتي تتحمل وزارة الداخلية أوزارها ، فإن هناك العديد من الملاحظات السياسية التى تستدعيها هذه العملية النوعية الجديدة إلى ساحة النقاش، والتى تتطلب مساءلة نظام الحكم على توجهاته على مختلف الأصعدة، والبدائل المتاحة أمامه، والآليات التى يمكن من خلالها التراجع عن هذه التوجهات، إذا كان يريد فعلا حسم المواجهة مع الإرهاب ..

** أولى هذه الملاحظات تتعلق بسعى النظام الحثيث لبناء سلطوية جديدة، تهيمن فيها السلطة التنفيذية، بل مؤسسة الرئاسة على وجه التحديد، على كافة السلطات والمؤسسات الأخرى، والذى يمكن ملاحظته فى ضعف الدور المفترض أن يلعبه مجلس النواب والأحزاب فى حياتنا السياسية، ويتزامن مع ضرب مؤسسات المجتمع المدنى، والسيطرة على الصحف والقنوات الفضائية العامة والخاصة أيضا، مع انتهاك روح الدستور بل وبعض نصوصه أيضا بمنتهى السفور.

** غياب الشفافية فى ميكانيزمات صنع القرار، ومن أمثلته الفجة استبعاد المناقشات المجتمعية الضرورية فى مشروع قناة السويس الجديدة، أو التنازل على جزيرتى تيران وصنافير، أو التوسع الفلكى فى الاقتراض من الخارج.

** فشل كل دعوات الرئاسة لتجديد الخطاب الديني، والذى يحتاج بالضرورة إلى مناخ واسع من الحريات يتيح للأصوليين قبل غيرهم المشاركة فيها، وهو ما لم يسمح به النظام الذى يواصل سعيه الدؤوب لغلق المجال العام على قدم وساق، ليس فقط أمام الأصوليين، ولكن أمام كل التيارات الفكرية والقوى السياسية بلا استثناء..!!

ما لم يدركه النظام فى مصر حتى الآن أن كلمة السر فى زيادة العمليات الإرهابية كما ونوعا هى سياساته الاقتصادية التى أدت إلى تفاقم الأزمات المعيشية للأغلبية العظمى من المصريين، وتوجهاته غير الديمقراطية التى غيبت أى مشاركة جماهيرية فى العمل العام ، ففى مثل هذا المناخ الذى يحيل حياة المصريين إلى قطعة من الجحيم ، ويمنع عنهم حق الاعتراض والسعى لتغيير أوضاعهم بشكل سلمي، فسوف يكون العنف هو الطريق الوحيد المتاح أمام الجميع، وسوف يكون استدعاء تاريخنا القريب مع الإرهاب والعنف الدينى هو الأقصر، والذى تم تجريبه من قبل حتى وإن لم يكن قد حقق أهدافه، حيث لم يشهد تاريخنا كله حركات عنف يسارية، تلجأ للسلاح لتحقيق أهدافها، ويمكن للبعض أن يستلهمها ..

الأزمة الحقيقية التى توجهها السلطة الحالية فى مصر، ونواجهها معها، هى أنها لا تمتلك الحد الأدنى من الخيال السياسى الذى يتيح لها إدراك أن هناك بدائل كثيرة لتحقيق أهدافنا الوطنية، وأن هناك دستور ينبغى احترامه يؤكد على الرأى والرأى الآخر، وعلى تبادل السلطة، وعلى حق كل المصريين فى حياة كريمة، وأن هناك طريق واحد لمواجهة الإرهاب يستند إلى الحرية والعدالة الاجتماعية.. وإلا فإن العمليات الإرهابية سوف تتواصل، لندفع جميعنا ثمنها من حياة أبنائنا، ومن قدرتنا على بناء مستقبل مشرق يستحقه ملايين المطحونين فى مصر.