الحمد لله.. كنا محظوظين

كما في كل زمان ومكان كان الأهل والأقارب والمختلطون معنا يسألون السؤال الدائم للأطفال: تحب تطلع إيه لما تكبر؟، ولست أذكر أني تمنيت ولو لحظة واحدة أن أكون لاعب كرة شهيراً، رغم أنني أحببت صغيراً الكثير من لاعبي الكرة المميزين جداً في وقتها، وكانت تلك الفترة الباكرة من حياتنا فيها عدداً كبيراً من أساطين الكرة المصرية وأيقوناتها الذين ظلت تذكر أسماؤهم حتى يوم الناس هذا.

ولا خطر ببالي في يوم من الأيام، ولا حلمت أن أكون ممثلاً أو فناناً من أي نوع من الفن، رغم حبي الشديد لعبد الحليم حافظ، على رأس عدد من الفنانين المحببين إليَّ، لم تكن الشهرة تشغل بال جيلنا، ولكنه العمل، وكانت قيمة العمل تتبدى أمامنا في كل ما يرجي على أرض مصر الستينيات، وكان التعليم هو الجسر المضمون إلى الترقي في شتى مناحي الحياة، وعبره عبرت ملايين من الفقر إلى الستر، ومن أسف السلم الاجتماعي إلى قمته.

طيب كنت أحب أطلع إيه لما أكبر؟
أذكر أنني تراوحت بين أكثر من إجابة حين يُطل عليَّ السؤال من أحد من أفراد أسرتي أو معارفنا أو حتى جيراننا، مرات كنت أقول: نفسي أطلع مهندس في السد العالي، وكانت كليات الهندسة في ذلك الوقت هي كليات القمة وسبقت حتى كليات الطب في بعض السنين، وكان السد وقتها هو مشروع مصر القومي الذي تحالفت ضده القوى الكبرى في العالم لكي توقف بناءه، وفشلوا وفشلت كل مؤامراتهم ضد مصر والسد وحركة التنمية المستقلة التي تسارعت خطاها في الستينيات من القرن الماضي.

وكان أحد أبناء عمومتي قد سافر إلى أسوان للعمل في السد العالي، فكان السد حاضراً في بيتنا، كما كان حاضراً في دراستنا، وكنا ندرس في كتب المطالعة موضوعاً عن السد، وما زلت أذكر أحد ضيوف بيتنا كنت أظنه الشيخ كشك رحمه الله، وقد كان كفيفاً ومعمماً يرتدي رداء علماء الأزهر الشريف، وقد كان في زيارة إلى منزلنا، وأجرى لي مسابقة مسموعة من كل الحاضرين من أفراد الأسرة، وكان من بين أسئلته أنه طلب مني أن أتحدث عن أي موضوع أريده باللغة الفصيحة، فتحدثت عن السد العالي بما حفظته من كتاب المطالعة، وكان فيما قلته إن السد سيحمي مياه مصر من أن تضيع سدى، وسألني الشيخ رحمه الله، عن معنى كلمة سدى فأجبته بسرعة: يعني بلا فائدة، وربت الشيخ على رأسي داعياً لي، وبشَّر الحاضرين بما سيكون لي من شأن .

ومرات كنت أجيب على سؤال الكبار لي عن طموحي حين أكبر فأقول: نفسي أكون مثل عباس محمود العقاد، وكان يشجيني طرباً أن اسمي الثلاثي على نفس وزن اسم الأستاذ العقاد، وكنت دائماً أردد بيني وبين نفسي اسمي مقروناً باسمه، فأقول عباس محمود العقاد ومحمد محمود حماد، كان ذلك في مرحلة متقدمة من تعليمي، وكنت ساعتئذ في بداية المرحلة الثانوية، ودرسوا لنا عبقرية عمر التي أسرتني بشدة، وما زلت حتى اليوم أعاود قراءتها وما تزال تعطيني الكثير من المعاني والخواطر حتى يومنا هذا، وكتبت الشعر في تلك الفترة من حياتي، وقرأت أشعار العقاد وقتها ولكني لم أستسغها، بل كادت تتسبب في مفارقتي لحب العقاد نفسه، وصادف أنني قرأت لطه حسين في فترة الريبة العقادية فأحسست أنه أسلس وربما أكثر تأثيراً في قارئه، ولم يُعدني إلى حبي الكبير لقلم العقاد إلا مطالعات متعددة لأعماله وكتاباته الصحفية، ثم ساقني القدر إلى مطالعة كتاب معارك فكرية لأنور الجندي، وفيه وجدت نقداً شديداً وساخناً وربما لاذعاً لأفكار طه حسين بأقلام الكتاب الكبار الذين تعرفت عليهم دفعة واحدة من خلال هذا الكتاب الكبير، فشملهم حبي الذي لم يعد يقتصر على العقاد وحده.

كنا محظوظين بلا شك حين كانت الأعلام التي تملأ سماء مصر من نوعية مثل العقاد وطه حسين، ومشايخ مثل الغزالي وأبو زهرة، وأمين الخولي، وكنا محظوظين أكثر أن نشأنا في مجتمع يضع في صفوفه الأولى علماء الأمة ومفكريها وكتابها ومهندسيها وبناة نهضتها الحقيقية، وكان إقبال الآباء والأمهات على إلحاق أبنائهم وبناتهم كليات مثل الهندسة والطب والزراعة فقد كان نجوم المجتمع وقادته من هذه الكليات.

باختصار كنا محظوظين لأن المجتمع الذي نشأنا فيه كان جاداً أكثر، ويعرف هدفه بشكل أوضح، ويمضي في طريقه بثقة أكبر.

وللأسف إنني أسمع وأقرأ اليوم أن إقبال الآباء على إلحاق أبنائهم مدارس وأكاديميات الكرة يتزايد يوماً بعد يوم، ولست أخفي إشفاقي على أجيالنا الطالعة الذين لا يجدون أمامهم من المشاهير غير المطربين والمطربات، والراقصين والراقصات، والإعلاميين البلهاء، وفوقهم لاعبي الكرة وحدهم على الساحة وفي مقدمة الصفوف، يُكرمون ويُرفعون فوق الأعناق، وتهتف لهم الحناجر وتنخلع من أجلهم القلوب، وينشغل بهم الناس من كل الطبقات، ويخرج لهم الكبار يستقبلونهم على أرض المطار ليحتفل بعودتهم المظفرة من ساحات الوغى على أرض الملاعب.!
فعلاً كنا محظوظين.