الانتصارات المصرية فى “غزوة اليونسكو”!

تراوحت التبريرات شبه الرسمية لخسارة مشيرة خطاب انتخابات اليونسكو بين اتهام قطر بتقديم رشاوى ضخمة لدعم مرشحها د. حمد الكوارى، وبين استخدام فرنسا لنفوذها السياسى الفرانكفونى لدعم مرشحتها أودرى أزولاى، والتى فازت بالمنصب بعد ماراثون طويل اشتمل على 5 جولات، استطاعت فى آخرها إزاحة المرشح القطرى الذى حصل على أعلى الأصوات فى الانتخابات الأربعة التى سبقت جولة الحسم.

كل هذه التبريرات قد يمكن فهمها، بل وقد يقبلها البعض عن قناعة تامة، ولكن مالا يمكن فهمه إطلاقا ، هو لماذا خضنا أصلا هذه الانتخابات، فالنظام الذى يجدد حالة الطوارىء بشكل به قدر كبير من التحايل على الدستور، ويغلق عشرات المواقع الإلكترونية بشكل لم يسبق له مثيل، ويبسط يده الغليظة على معظم إن لم يكن كل الصحف والفضائيات، ويغلق المجال العام، ويفرض سياجا شبه كامل على حرية الرأى والتعبير، ويعادى مبادىء التعددية السياسية والثقافية والفكرية، فإن هذا النظام يثير الدهشة البالغة، بجرأته على خوض معركة انتخابية ساخنة للرئاسة منظمة دولية مهمة كاليونسكو من أهم أهدافها تطوير حرية التعبير وحرية الإعلام باعتبارهما من أهم مبادىء حقوق الإنسان الأساسية، ضمن اهتمام المنظمة المعنية بالتربية والعلوم والثقافة، بنشر قيم العدالة والحرية والتعددية وسيادة القانون، مع تبنيها لمشاريع ثقافية وعلمية تدعو لنشر التعاون والسلام بين مختلف دول العالم.

سجل النظام فى مصر فى مجال حرية الصحافة والإعلام واحترام حقوق الإنسان والأوضاع المتدهورة فى مجالي التعليم والثقافة، لا يؤهله على وجه الإطلاق لخوض انتخابات اليونسكو فضلا عن الفوز فيها، وهو ما يثير التساؤلات حول الأسباب التى جعلت مشيرة خطاب تنافس بقوة فى هذه الانتخابات وتصل إلى الجولة الرابعة فيها؟.. هل هى خبرات متراكمة اكتسبناها من الانتخابات السابقة التى شارك فيها فاروق حسنى واسماعيل سراج الدين؟ ..هل امتلك الفريق المساعد للمرشحة المصرية قدرات خاصة استطاع من خلالها تسويقها بشكل جيد؟..هل تتدخل السياسة بهذا الشكل السافر فى مثل هذه الانتخابات؟..هل معايير العدالة والنزاهة التى تغيب عن مسرح العلاقات الدولية ألقت بظلالها على انتخابات اليونسكو؟

صحيح أن المرشحة المصرية لم تكن تستطيع فرض السياسات التى تتبناها دولتها على أسلوب عمل اليونسكو لو كانت قد فاز برئاسته، مثلما لن تستطيع المرشحة الفرنسية الفائزة أن تفرض سياسة أو توجهات بلدها عليه، لكن فوز المرشحة المصرية أو حتى المرشح القطرى – رغم كامل الاحترام لهما – كان سيثير تناقضات كبيرة حول ترشيحهما من بلدين لا تحترمان حرية الرأى والتعبير والصحافة والإعلام بالشكل الكافى، لرئاسة منظمة على رأس أهدافها النهوض بالحريات العامة، فكيف ترشح دولة ما أحد أبنائها لرئاسة منظمة دولية تختلف معها فى القيم الثقافية اختلافا جذريا؟

لا أحد فى مصر الرسمية يمكنه الإجابة على هذا السؤال، كل مالدينا هو ردود أفعال من بعض كبار سياسيينا وإعلاميينا المحسوبين على النظام، والتى أعربوا فيها بوضوح تام عن سعادتهم البالغة بهزيمة المرشح القطرى لأن دولته تدعم الإرهاب العالمى، رغم أن هذا المرشح حصل على 28 صوتا فى الجولة الأخيرة بفارق صوتين فقط عن منافسته الفرنسية، وهو ما يعنى أنهم يتهمون صراحة هذه الدول بدعم الإرهاب أيضا، ليصبحوا مرتشين وإرهابيين فى نفس الوقت، وهى اتهامات خطيرة، إن أخذها المجتمع الدولى بجدية، فإن من شأن ذلك أن يضع مصر فى أزمات دبلوماسية طاحنة، توجب على الحكومة أن تعلن رفضها لهذه الاتهامات بشكل واضح.

وسط التناقضات التى تحيط بخوضنا الانتخابات، وردرود الأفعال الهيستيرية على فشلنا فى الفوز بها، يبدو أن التفسير المنطقى الوحيد الذى يمكن قبوله لمشاركة مصر فيها، ينحصر فى تحقيق هدف واحد وهو قطع الطريق على المرشح القطرى للفوز برئاسة اليونسكو، لا فوز مشيرة خطاب بالمنصب ..وهو ما نجحت الدبلوماسية المصرية فى تحقيقه، لتوجه إلى الدوحة ضربة موجعة، سوف تزيد من العداء بين البلدين، والذى يبدو أنه سوف يستمر لأجل غير معلوم!