اقرأوا جمال حمدان يخلُ لكم وجه مصر

منذ فترة قررت التخلص من جزء كبير من مكتبتي، وقد ضاقت بها الأرفف، وتراكمت فوقها على حدود الفوضى وصار بعضها حبيس «كراتين» مغلقة منزوية في أركان غرفة المكتب.

لم تكن زحمة الكتب وحدها هي السبب وراء التخلص من الزائد عن الحاجة منها، فقد بقيت زمناً طويلاً لا أملك جسارة التخلص من كتاب واحد له معي تاريخ من أول لحظة اقتنيته فيها حتى استقر في مكانه المعلوم في مكتبتي، حتى حانت لحظة القرار الأهم حين حسمت أمري وعزمت على أن اصرف كل اهتمامي فيما تبقى لي من عمر إلى المراجع الكبرى وأمهات الكتب والموسوعات التي لا غنى عنها في أي وقت، وخاصة منها تلك الكتب المعتبرة عمدة في موضوعها.

وكان أن تفضل أحد الأصدقاء من أصحاب مكاتب النشر والصحافة ـ يرحمه الله ـ بقبول هديتي مجموعة من «الكراتين» المغلقة على ما فيها من مئات الكتب السيارة التي صدرت في مناسبات معينة، أو تلك الكتب التي لا غنى لمتابع عن أن يلقي نظرة إلى ما فيها، ولم تعد صالحة للبقاء على أرفف مكتبة انتويت أن تتخفف من حملها الزائد عن الضرورة، وتكرم مشكوراً بوضع اسمي على جانب من مكتبة الدار التي كان يرأسها.

حين خلى لي وجه مكتبتي في صورتها الجديدة كان كتاب «شخصية مصر» يتصدر موضعه البارز فيها ما جعله في متناول يدي باستمرار أعود إليه بين الحين والآخر، أقرأ بعض فصوله المنتقاة حسب مزاج القراءة وبحسب الحاجة إلى النظر في قضية أريد أن أستطلع رأي الأستاذ فيها، خاصة تلك القضايا التي يتمحور الكتاب حولها، ثم وجدتني أمام رغبة تتملك علي كل جوانحي في أن أقرأ الكتاب من جديد بعيون رجل زادت معارفه عن تلك المرحلة التي بدأت فيها القراءة الأولى، ميمماً وجهي إلى تلك الأجزاء التي كنت أغفلتها أو تلك التي لم يتسع الوقت ـ ساعتها ـ لقراءة بعضها الآخر.

ولست أدعي أنني انتهيت من قراءة تلك الموسوعة من الجلدة إلى الجلدة حتى بومنا هذا، وقد جاءت هذه القراءة المتصلة لأبواب الكتاب بعد مرور عشرين سنة على الأقل من القراءة الأولى المتعجلة المبتعدة عن كثير من فصوله التي رأيتها وقتها متخصصة وتحتاج إلى صبر أكبر وعزيمة أشد للخوض فيها لغير المتخصصين في علم الجغرافيا وفنها.

وأعترف أني في قراءتي الأولى لـ «شخصية مصر» كنت أبحث عما أحتاجه من الكتاب أكثر من حرصي على الإلمام بكل ما يريد إثباته وتقريره بطريقة فريدة آسرة وساحرة في الوقت نفسه.

أربعة مجلدات ضخمة بعضها يزيد على الألف صفحة، المجلد الرابع هو أصغرهم يصل إلى 700 صفحة وهو المجلد الأخير والأثير لدى الكثيرين من قراء تلك الموسوعة الكبيرة والممتعة.

أعترف أن القراءة الثانية هي الأمتع، تلك المتعة المعرفية التي تنساب في وعيك مع التقدم في قراءة تلك الموسوعة لا تدانيها متعة أخرى من متع الدنيا.

مشاعر الانبهار والتقدير والاحترام والعرفات بالجميل لهذا المفكر الكبير هي التي سادت فترة القراءة الأولى، فقد كانت رحلة اكتشاف وتعرف وإدراك وسياحة فكرية في جغرافية مصر الطبيعية والبشرية معاً، وغوص مفتح العينين في تاريخ مصر.

سيدهشك ذلك الإبحار في بحور مصر ونيلها وبحيراتها وفي طقسها واقتصاداتها واجتماعيتها، وشخصية أهلها، إبحار مبسوط فيه الكثير من المعارف، ومبثوث بين محطاته وفصوله وبين سطوره نتاج مثمر من علوم كثيرة أتقنها جمال حمدان وتتبدى في سطور كتابه الموسوعة.

وقد لفتني ما قاله المفكر الكبير الدكتور جلال أمين عالم الاقتصاد الكبير في وصفه للكتاب: «تبحر في فروع متنوعة من العلوم الاجتماعية، ففيه من الاقتصاد ما لا يستغني عنه عالم الاقتصاد، وفيه من علم الاجتماع ما هو ضروري لعالم الاجتماع، وقل مثل ذلك عن علم السياسة والانثروبولوجيا الخ».

لست أدري على الحقيقة الأسباب الحقيقية وراء هذا الانطباع، وهذا اعتراف بأنه مجرد انطباع وليس حقيقة يمكن أن أقيم عليها الدليل أو أثبتها بما هو معقول من الدلائل، ولكني أملك شواهد كثيرة تجعل انطباعي له ظل من الحقيقية، خاصة وأن كثيراً ممن يتحدثون أو يكتبون أو ينقلون عن الدكتور جمال حمدان من موسوعته الكبرى والأكثر أهمية «شخصية مصر» لم يقرأ أغلبهم الكتاب بأجزائه الأربعة، وبعضها مجرد نقولات مما نشر أو ينشر عن الكتاب الموسوعة.

وهي في معظمها نقولات لا تفي بتبيان حقيقة ما كتبه العالم الكبير قدر ما هي محاولات لأصحابها من أجل إثبات آراءهم وأفكارهم التي يؤمنون بها، وفي أحيان كثيرة يدرك القارئ لجمال حمدان أن هذا البعض يجتزئ أقوال حمدان لكي تناصر رأياً يذهب هو إليه، أو يبتسرها لتوافق أفكاره أو يلوي عنق بعضها ليثبت صحة مواقف فريقه السياسي، ولا يأبه هؤلاء لما إذا كان هذا الاجتزاء أو الابتسار أو لوي العنق قد يجعل ما نقلوه يتعارض مع أفكار وآراء وأطروحات جمال حمدان نفسه.

ولست من دعاة تقديس ما يقوله جمال حمدان، ولا حتى أراه أكبر من النقد، ولكن احترام أفكاره هو الذي قصدته لا تقديسها، وأن يكون النقد للقادرين عليه، لا نقد الهواة الذين اعتادوا قراءة الفهارس لا الكتب وأدمنوا قراءة ما فوق سطح الصفحات غافلين عمَّا في جوف الكلمات.

وسواء كان هذا الانطباع يقوم على أساس متين أم لا، فإنني أوقن بأن قراءة جمال حمدان قراءة واعية لا غنى عنها لكل محب لمصر عامل على تغيير أحوالها إلى الأفضل، قراءة فهم ووعي وإدراك حقائق شخصية مصر وما آل إليه حال أهلها من المصريين.

ونحن في أمس الحاجة إلى قراءة جمال حمدان لأن كتابه جاء كأنه الرد البليغ على هزيمة رآها عارضة في يونيو سنة 1967، فراح يثبت بالجغرافيا ثم بالتاريخ ثم يمزجهما معاً في مزاج وضعه في بوتقة علوم شتى أن مصر أكبر من أي هزيمة، وأبقى من أي نظام، وأنها قادرة على أن تعبر كل انتكاس، ماضية في سرديتها المتفردة لا تلتفت إلى عوائق، ولا تقف في وجهها معوقات.

من هنا درس جمال حمدان وقراءته بإمعان ضرورة الحاضر وضرورة للمستقبل، خاصة من هؤلاء الذين انطلقوا في يوم 25 يناير إلى السماء ليقطفوا قرص الشمس هدية لمصر، هؤلاء بالذات هم الذين أقصدهم بدعوتي إلى قراءة شخصية مصرـ قراءة تستكشف الطريق المؤدي إلى عبور الانتكاسة التي جرت لثورة يناير تلك التي كان حمدان قد بشر بها قبل حدوثها بعشرين سنة.
يا شباب الثورة إقرأوا جمال حمدان يخلُ لكم وجه مصر.