47 سنة على رحيله ولا يزال حضوره طاغياً: عبد الناصر العصي على الغياب

كلما مضت السنون أمعنت سيرته في الحضور، في حياته كان ملهماً للجماهير، وما يزال رغم رحيله، يستذكرونه في كل وقت، ويستدعونه عند كل ضيق، وتثور أشواقهم إليه، كان حضوره طوال ثمانية عشر عاما يطغى على أي حضور، واليوم بعد مرور 47 سنة على رحيله لا يزال جمال عبد الناصر ممعناً في الحضور، عصياً على الغياب وكأن غيابه طوال هذه السنين لم يكن.

استوطن البكباشي الشاب ذي الـ 34 عاماً قلوب الغلابة، لأنه استطاع أن يحول “انقلاباً عسكرياً” إلى ثورة اجتماعية في غضون ٤٨ يوماً فقط، عندما أطلق مشروع الإصلاح الزراعي يوم ٩ سبتمبر عام ١٩٥٢، ثم قاد الثورة من بعد وليس أمامه غير خطين واضحين وضوخ الشمس: تحقيق العدل الاجتماعي الذي طال غيابه في الداخل، والحفاظ على استقلال القرار المصري في مواجهة قوى عظمى أرادت أن تستتبع مصر وتدخلها في حظيرة الطاعة.

التفتت إليه عيون الناس بقوة في أعقاب محاولة اغتياله التي دبرها التنظيم السري لجماعة “الإخوان” في خريف العام 1954، ونال من وقتها تأييداً شعبياً جارفاً، وحين ترشح ليكون أول رئيس مصري منتخب حاز أغلبية كاسحة، فشكل وزارة جديدة برئاسته، وأنشأ ثلاث وزارات جديدة، هي وزارة التخطيط، ووزارة الصناعة، ووزارة الإصلاح الزراعي، وبدا أنه قرر أن يخوض معركة التنمية في الداخل، بينما امتنعت الولايات المتحدة الأمريكية عن إمداد مصر بالسلاح اللازم للدفاع عن أراضيها، خاصة بعد تكرار الاعتداءات “الإسرائيلية” على الحدود المصرية، فكان رد عبد الناصر بالاتجاه للاتحاد السوفييتي للحصول على السلاح منه فيما عُرف بصفقة الأسلحة التشيكوسلوفاكية، ثم كان أن قررت أمريكا سحب عرض البنك الدولي لتمويل بناء السد العالي، فكان رد جمال عبد الناصر هو تأميم قناة السويس في 26 يوليو سنة 1956.

وقرر الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية معاقبة مصر على قرار التأميم، ووقعت حرب السويس في 29 أكتوبر سنة 1956، حيث واجهت مصر عدوان ثلاث دول هي بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، واستمرت أعمال القتال حتى بعد صدور قرار وقف إطلاق النار من الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 2 نوفمبر، ولكنه توقف صباح يوم 8 نوفمبر ، وتحت الضغط الدولي وفي ظل اشتداد المقاومة المسلحة على الأرض لقوات العدوان انسحبت قوات الدول الثلاث من منطقة قناة السويس في 22 ديسمبر سنة 1956، وبقيت القوات الإسرائيلية تحتل أجزاء من سيناء حتى أجبرت على الانسحاب نهائياً منها يوم 7 مارس سنة 1957.

ومنذ بدأت شخصية جمال عبد الناصر تبرز على الخريطة الدولية والعربية، أولاً في مؤتمر باندونج في العام 1955 ثم من بعد في إدارته لحرب السويس في مواجهة قوى الاستعمار العالمي، صار عبد الناصر بطلاً للقومية العربية، وارتفعت شعبيته في المحيط العربي إلى حد لم يعطه العرب لغيره من قبل، وأصبحت القاهرة مركزاً لحركات التحرر العربية والإفريقية والآسيوية، وفي نهاية عام 1957 عقد بالقاهرة مؤتمر الشعوب الإفريقية والأسيوية، وقد كان هذا امتداداً لمؤتمر باندونج، وحضر المؤتمر ممثلون عن حكومات الدول المستقلة ، وممثلون عن الشعوب التي كانت تكافح في سبيل الاستقلال.

وفي قلب الوطن العربي دفعت الظروف الدولية والإقليمية قادة سوريا للضغط على عبد الناصر من أجل الوحدة مع مصر، وجاء اليوم الأول من فبراير سنة 1958 ليعلن في القاهرة عن قيام الوحدة بين مصر وسوريا تحت اسم “الجمهورية العربية المتحدة” لتكون نواةً للوحدة العربية، وفي يوم 21 فبراير سنة 1958 تم الاستفتاء الشعبي في البلدين على الوحدة وعلى رئيس الجمهورية، وجاءت نتيجة الاستفتاء بما يشبه الإجماع على قيام الوحدة وعلى انتخاب جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية الوليدة.
**
في النصف الأول من الستينيات حقق عبد الناصر أهم وأكبر وأنجح خطة تنمية في تاريخ مصر بنيت خلالها آلاف المدارس والمصانع، وأقام قاعدة تصنيعية كبيرة، وصادر الأراضي من الإقطاعيين، ووزعها على الفقراء فأصبحوا أحراراً بعد معاناة طويلة من العبودية، وحرر العمال المصريين من ربقة سيطرة الرأسماليين، وأشركهم في الأرباح وفي الادارة لأول مرة، وبنى السد العالي، وفي سنة 1967 أعلن باسم الأمة رفض الهزيمة وتحمل مسؤوليتها بشجاعة واستقال على أثرها من منصبه.

امتلأت شوارع مصر والبلدان العربية بلا استثناء وفي الكثير من مدن العالم أجرت الجاليات العربية فيها مظاهرات عارمة، والكل يطالبه: بالعدول عن الاستقالة، واستجاب عبد الناصر لرغبة الجماهير التي هي بالنسبة إليه أمر لا يرد، وحين أطلق موشى ديان (وزير الحرب الإسرائيلي آنذاك) تصريحه الشهير بأنه ينتظر مكالمة هاتفية من عبد الناصر، يعلن استسلام مصر واستسلامه كان رد عبد الناصر : لا تفاوض، لا صلح، لا اعتراف بإسرائيل، وانطلقت المقاومة الفلسطينية للرد على الهزيمة، ودخلت مصر أطول وأشرس حرب واجهت فيها اسرائيل حرب الثلاث سنوات التي كبدت فيها إسرائيل الكثير من الخسائر، وكانت بمثابة المعارك التمهيدية لحرب أكتوبر سنة 1973 .

لم يكن غيابه في سبتمبر سنة 1970 هو نهاية المطاف لرجل أعطى لوطنه وأمته روحه حتى آخر لحظة في حياته، وظل حضوره طوال هذه الفترة يفوق الغياب خلال كل المناسبات الكبيرة والحوادث المهمة التي مرت بها مصر طوال هذه السنين.

وما زلنا نذكر هذا الخروج الجماهيري الكبير حين تمكن الفنان الراحل أحمد زكي من التغلب على كل العقبات التي وقفت حائلاً دون إنتاج فيلمه الأشهر: ” ناصر 56″، فقد شهدت دور السينما في مصر وأقطار عربية عدة حضوراً شعبياً واسعاً، وكأن الجماهير العربية تبعث إلى من يهمه الأمر برسالة مزدوجة: تعبر في نصفها الأول عن اشتياقها إلى الزعيم الذي طال غيابه، وتعبر في نصفها الآخر عن افتقادها للحلم الذي حلمت به مع جمال عبد الناصر.

على طول فترة الغياب منذ رحل في 28 سبتمبر سنة 1970 كانت الجماهير المصرية والعربية تستحضره في الملمات الكبرى، وكانت السلطة تستدعيه في اللحظات الفارقة، يحنّ المصريون إلى الاستقلال الوطني، إلى وجود القضية الوطنية المشتركة والصراع مع العدو، يحنّ المصريون إلى أيام كانت فيها “الهزيمة العسكرية” بكرامة، أفضل ألف مرة من السلام المزيف والتذلل للحليف الغربي والهزيمة المعنوية في كل يوم، يحنّ المصريون إلى أيام كانوا فيها قيادة عربية شامخة والآن أصبحوا يتذللون من أجل معونة أو قرض أو فرصة عمل.

جاءت الحوادث بعد مماته لتعيد تعريف الناس بفضله وقيمته، وظل يكسب أرضًا جديدة وهو في قبره كل يوم، حتى الملايين التي خرجت تودّع جمال عبد الناصر في جنازته، ونجحت الآلة الإعلامية فيما بعد في التأثير على عدد منهم وتشويه صورته ومشروعه، استعادت كثيراً من وعيها بقيمة الرجل بعدما انحاز من جاءوا بعده ضد مصالح الأغلبية المقهورة في الداخل، ثم سلموا الاستقلال الوطني لأعداء الوطن وجعلوا 99% من أوراق اللعبة إلى أمريكا.

رغم مرور 47 سنة على رحيله مازال حضور جمال عبد الناصر طاغياً في وجدان المصريين، يبدو حياً وهو في عداد الأموات، بينما يزخر المشهد السياسي بموتى على قيد الحياة، ذلك لأن عبد الناصر ظل عصياً على الغياب، وأكبر من كل محاولات تشويهه.