“يكذبون كي يروا الإله جميلا” قصة مكررة!

 

قصة مكررة!

أعطى الأب لولديه الاثنين مالا كي يشتريا الدواء أولا، ثم يمران على جدتهما المريضة ليسلماها دواءها، على ألا يتأخرا عن مغرب الشمس، وإلا تعرضا للعقاب…

لكن الولدان لم يجدا الدواء في الصيدليات القريبة، فأخذا يبحثان عنه في أماكن أخرى أكثر بعدا حتى قاربت أشعة الشمس على الرحيل، فرأى الولد الأكبر أن يعودا إلى بيت أبيهما حتى لايتأخرا كما أوصى، لكن الأصغر فضّل البحث عن الدواء وإعطائه للجدة لأن في ذلك أولوية، كما فهم أن مغزى تحذير الأب لهما بعدم التأخير غرضه عدم الانهماك في اللهو ونسيان واجبات المذاكرة، كما حدث في مرة سابقة مشابهة!

المهم أن إصرار الولد الأكبر قد أفضى بهما إلى العودة للمنزل في النهاية…

ماتت الجدة بسبب عدم تناولها للدواء، وغضب الأب علي ولديه متهما إياهما بالغباء والتقصير، وحدثت الصدمة للابن الأكبر الذي كان دوما من الملتزمين والمطيعين للأب في كل حرف يقوله، فإذا بالأب يلقي اللوم عليه بسبب موقف لاذنب له إلا أنه اطاع تعليمات والده حرفيا كما ظن.

كفر الابن الأكبر بكافة وصايا وتعليمات والده بعد ذلك، وتفلتت أخلاقه ورحلت سجاياه مع شمس المغيب في ذلك اليوم المشؤوم… وصار من المغضوب عليهم بعدما كان يضرب به المثل في الانضباط والالتزام.

ولكن هل اكتفى الابن بالتمرد على والده؟

لا، بل اتهم والده بالكذب وأنه هو السبب في وفاة الجدة بتلك الطريقة، وأن تعليماته المتناقضة والخاطئة كانت ولازالت السبب في شقاء أبنائه ومعاناة من يقوم بإعالتهم. وتعجب من شعارات طاعة الوالد وكونه الأكثر حكمة وخبرة ودراية، وقاوم بشدة أكذوبة تقديس الآباء كما ادعى…

هذه القصة تختصر لنا مشكلة كبيرة يقع فيها عديد من الملتزمين دينيا على الطريقة “السلفية” الحرفية، بحيث لايفهمون من مقاصد الدين وتعليمات الإله إلا مافهمه الابن المسكين من تحذير والده بعدم التغيب عن المنزل بعد مغرب الشمس… وعليه فالإله له يد لأنه أخبرنا – حرفيا- أن يديه مبسوطتان، ولاداعي لتفسير اليد بمطلق القدرة لأنه قال حرفيا “يداه”، وكذلك ينزل من السماء إلى الأرض بقدميه، ويجلس على عرش يعتلي السماء السابعة، يطالبنا بمحاربة كل المشركين والبغض والتبرؤ التام ممن ليسوا على شاكلتنا، فكل من ليسوا مثلنا بالمطابقة، هم عديمو الشرف والمروءة، وأئمة الانحلال والنفاق…

وهنا تأتي الصدمة للسلفي المسكين، خاصة عندما تضطره الظروف لأن يتعامل مع من يعتبرهم أئمة الضلال ورؤوس الشرك والمؤامرة، فيجد لهم حديثا إنسانيا وخصالا يتفاجئ من وجودها في طباع تلك الوحوش التي تربى على عدم الاقتراب منهم أو التصوير.

وتتعاظم المعاناة عندما يلمس في أئمته وحشية وقسوة ولاآدمية في التعامل معهم بشكل يجعل الأمر لديه يبدو معكوسا، فيبدأ في الشعور بأنه عاش أكبر خدعة في حياته وعمره…

ويصل به الحال إلى التبرؤ من هذا الدين، والتعليمات الإلهية ككل، حيث هي سبب مانحن فيه من بلاء وغم كما يظن، وعامل أساسي في حالة العنف والإرهاب التي نعاني منها حاليا، ويتفتق ذهنه في دراما مشابهة لموقف الابن المسكين، إلى التعجب من شعارات الولاء والبراء، والطاعة والعبودية لإله صنعته مخيلاتنا ووهبته حكمة وهمية، وقدرة مزيفة وإرادة مصنوعة في أذهان أعيتها ظلمات الجهل والارتكان للسائد!

يكذبون لكي يروا الإله جميلا!

جذبني عنوان الكتاب بشدة، لم أعرف هوية كاتبه من قبل، وراودتني عديد من الخواطر حول طبيعته ومحتواه، فعندما قال المؤلف: “إذا كانت الآلهة هي دائما طاغية ومعادية للإنسان، فإن أكثرها طغيانا ومعاداة للإنسان هي الآلهة التي ولدت في الأرض، وليست التي ولدت في السماء!”[1] قلت في نفسي لعل الكتاب يسلط الضوء على بعض الدعاة الكذبة الذين يشوهون الدين والألوهية بحيث تتطابق مع عقولهم الضيقة، أو مصالحهم الآنية…

لكني لم أجد ذلك في الكتاب، خاصة عندما أوضح المؤلف مقصده بكل صراحة لافتا النظر إلى أن الإنسان أضاف بخياله المشهيات الوهمية على وجبة طعام فاسدة ومرة من الأساس، وما تلك الوجبة إلا حياته ووجوده والعالم من حوله، التي وإن كانت من صنع الإله، فهي ناقصة لايكملها إلا وهم الإنسان، وهي مصدر الشقاء والألم، ولايعطيها طعم البهجة الزائفة سوى خيالات بشرية افترضت كمالا وحكمة في الصانع نفسه لم تكن فيه في حقيقة الأمر كما يظن المؤلف، من هنا جاء مفهوم الكاتب لـ”الكذب” يتمثل في من يكذبون لكي يروا الإله نفسه جميلا قادرا حكيما وبديعا،  حيث قال عنه: “إنك أيها الكذب لأنت أفضل وأنبل خالق، لأنك تحاول أن تخلق ما ينبغي ومايراد، ولست تخلق فقط كما تفعل الآلهة والطبيعة. إنك تحاول أن تكمل وتجمل ماخلقته الطبيعة أو الآلهة ناقصا أو دميما. لهذا أنت أيها الكذب أفضل وأرحم خالق.”[2]

ولعمري إن المؤلف نفسه هو من أضاف وجبة خيالية غير واقعية، تستهين بعقل الإنسان، الذي صدّقه الحكماء من بني البشر ومنه عرفوا الإله واستنبطوا وجوده، أو تتغافل -عن تعمد- فطرة الإنسان وشعوره الوجداني الداخلي بضعفه الذاتي ومن ثم حاجته إلى الإله الكامل مطلق الخير والقدرة والجمال، والذي عبرها عرف أهل السر والذوق العرفاني إلههم ومعشوقهم، وتغض الطرف عن الإرادة الأخلاقية المستبطنة داخل العقل العملي للإنسان، والتي منها يستحسن الخير وينشد العدالة ويرفض الشرور ويحارب مظاهر السوء والظلم، هذه الإرادة التواقة لمنبع الخير والفضيلة لايمكن أن يغرسها إله متعطش للظلم، ينقصه الخير والعدالة…

طالعت باقي الكتاب لعلي أبحث عن دليل عقلاني واحد يخاطب به المؤلف جمهور القراء، لكن ماوجدته هو تكرار لنفس فكرته بأكثر من زاوية وأسلوب، حتى لامست من بين السطور محاولة لاستنباط دليل على حديث المؤلف المرسل، عندما قال: ” ألست حينما تقول: الكون جميل أو منطقي أو رحيم أو صديق، تدافع عن الإله وتغفر وتستغفر له وتستر عليه، إذا كنت تؤمن به- أو تدافع عن الطبيعة، وتغفر وتستغفر لها وتستر عليها، إذا كنت تؤمن بها؟ لقد كان الإنسان في كل التاريخ قصة دفاع شامل عن الأرباب والسلاطين والآباء والأديان والمذاهب… عن كل الدمامات والتشوهات والآلام والنقائص.”[3]

الدليل كما صاغه المؤلف أن الإنسان بشكل كام وتام، حياته ماهي إلا كذب في كذب، وبشكل عام على مدار التاريخ والأزمنة، يبحر بنا المؤلف وكأنه كاميرا سينمائية قد رصدت تاريخ الإنسانية منذ نشأته الأولى وحتى الآن، فخلصت بنتائج كاملة تكرس لظلامية الإنسان، متناسية فيها مجابهة الأنبياء المستضعفين للظلم والاستعباد، أو تاريخ قادة المجتمع كسقراط وكونفوشيوس وجيفارا وغاندي وعمر المختار وكفاحهم ضد مظاهر الظلم والجهل والاستعمار والتأخر!

هذا الدليل الخيالي المعتمد على تعميمات غير علمية، وأقوال تاريخية مرسلة غير مؤصلة ببيّنة أو شاهد، هو خلاصة ما استند إليه مؤلف هذا الكتاب لتبرير دعواه في الكتاب!

ومع مزيد من التصفح، لم أجد في الكتاب سوى أقوالا أدبية أعترف بقوتها على المستوى اللغوي، وألفاظا متكررة تنم عن انفعالية شديدة من المؤلف نفسه في هجومه على كل إنسان يعترف بإله صانع حكيم، أو كل فرد- حتى لو كان ملحدا- يرسم لحياته صورة منظمة ومرتبة، ولمستقبله موضعا أفضل، هذه الصورة مستمدة من إبداع واتساق للطبيعة من حوله!

القصيمي، عودة إلى الحكاية

راهنت بيني وبين نفسي أن كاتب هذا الكتاب “عبد الله القصيمي” كان مؤمنا متعصبا في بدايته، وقد كسبت الرهان، عندما قرأت بأن المؤلف السعودي بدأ حياته الفكرية وهابيا شديد التعصب لإمامه ابن عبد الوهاب، ثم سافر لتلقي العلم في عدة بلدان حتى انتهى به المطاف إلى جامعة الأزهر، ودرس فيها أربع سنوات، وانبرى القصيمي للرد على الشيخ الأزهري يوسف الدجوي لإبطال حديثه عن التوسل بالأولياء وزيارة المقبورين الصالحين، في كتاب أسماه «البروق النجدية في اكتساح الظلمات الدجوية»! مما أحدث ردة فعل عنيفة لدى القائمين على الأزهر. الذي أصدر بيانا هذه صيغته: (صدر كتاب ينسب إلى طالب من نجد في جامعة الأزهر، ويوجد في الكتاب شتائم وإهانات موجهة إلى أستاذ من هيئة كبار العلماء، وعلى أثر ذلك كلفت هيئة المدرسين أحد الأساتذة بإجراء تحقيق ضد الطالب فيما تضمنه الكتاب من افتراءات وشتائم، وقام الأستاذ بتقديم نتائج تحقيقه إلى مجلس إدارة الأزهر والتي قررت في جلستها المنعقدة في 13/9/1932م قرارًا بفصل الطالب من انتسابه إلى الأزهر)، ولكن هذا القرار لم يثن عزمه، بل واصل انتقاداته، وألف كتابين هما: “شيوخ الأزهر والزيارة في الإسلام”، و”الفصل الحاسم بين الوهابيين ومخالفيهم”.[4]

وعليه، فقد تذكرت القصة المتكررة التي كتبتها في بداية الحديث، والتي نشاهدها بنفس السيناريوهات حتى باتت مملة في تفاصيلها، فالابن الأكبر لم يفهم أو يستوعب مقاصد الدين وعدالته، بل تعامل معه بذهنية سلفية غاية في الحرفية والتقديس لعبدة النصوص ومعطلي العقلانية، فماذا تنتظر منه عندما يتأثر ببعض الصدمات والمشكلات؟

القصيمي نفسه الذي دافع عن بشدة عن السلفية وخطها الوهابي المتشدد، هو نفسه من ختم حياته بمؤلفات من نوع: “ياكل العالم لماذا أتيت؟” و “الكون يحاكم الإله” بجانب الكتاب المذكور في المقال نفسه!

إن المؤلف يعتبر نموذجا لفرد ولد ونشأ أسيرا لبيئة تغذي التطرف والفكر المنغلق، وعندما تبدلت حياته ومعيشته من حال لآخر، انفعل مع واقعه الجديد بنفس ذهنيته المتطرفه وعقله المنغلق، فانفعالاته التي شهدت بها كتبه عندما كان سلفيا متعصبا، لم تتغير حتى بعد أن صار ملحدا… هي نفس ذات الشخصية الثنائية شديدة التطرف ولكنها كانت في أقصى الطرق اليميني من الخيط، والآن باتت في أبعد طرف في يسار نفس الخيط!

مصير كل عقلاني

لم تتعرض القصة لنهاية الابن الأصغر، ذاك العقلاني الصغير الذي أدرك مقصد والده بذهن متفتح، لأن قصته لن تشوبها منحنيات حادة الانحراف، بالطبع لن يفقد احترامه لأبيه، بل يتعلم مما حدث لشقيقه الأكبر أن الاحتماء بالعقل هو منجاة لصاحبه، والثقة بالمواهب العقلانية للإنسان هي ماتجعل طريقه ومنهجه في استيعاب الألوهية ومعنى الدين ومقصد الخلق وتكوين العالم مستضاءً بنور الحكمة.

فعندما يقول علي شريعتي: “إن الدين هو شعور ينبثق عن وعي الإنسان ومعرفته بنفسه ويدعو الإنسان إلى الكمال عن طريق تقديس القيم السامية من قبيل: الجمال والخير والبصيرة واللطف والإبداع والإرادة والحرية والمعرفة والكمال والهداية والعزة والعدالة والحق ومناهضة الظلم والجهل والضعف والذل و… وتجتمع كل هذه القيم في إطار التوحيد الذي يعد أكثر الأطر الدينية شمولا، في معبود واحد وهو الله تعالى عز وجل.

أما إذا استغل الدين من قبل السلطات الحاكمة لحفظ مصالحها فستحصل أسوأ فاجعة يسحق فيها الإنسان في الأنظمة المعادية للإنسانية ويصبح الدين شهيدا في سجلات التاريخ.”[5]

فإنني أستطيع أن أضيف بأن الدين أيضا يصبح شهيدا عندما تحتكر تفسيره وتأويله عقول متجمدة منغلقة، تتمثل حماقاتها بإغلاق أبواب هدايته ومصادر إشعاعه، فيصير هؤلاء كما قال عنهم الشيخ الغزالي: “إن للإسلام عدوّا من الداخل هو أشدّ خطرا كمسلم جاهل لايفهم دينه، ويتعصّب لجهله وضلاله.”بل و يتحول بعض هؤلاء إلى معاول هدم وتخريب حقيقي وصريح، كما تبين لنا…

 


 

[1] يكذبون لكي يروا الإله جميلا، دار الكتاب العربي ط2 -2001م صـ 15
[2] يكذبون لكي يروا الإله جميلا، صـ 101
[3] الكتاب السابق صـ 125
[4] للمزيد، راجع مقال لدكتور صالح بن مقبل العصيمي التميمي، على موقع صيد الفوائد في هذا الرابط: http://www.saaid.net/bahoth/186.htm
[5] كتاب “دين ضد الدين” لعلي شريعتي، ت: حيدر مجيد، مؤسسة العطار ط أولى 2007م  صـ 152