وفي المعارضة.. “شقاؤكم وما توعدون”

بصفتي صحفياً، لا أقارن نفسي بالأطباء أو الضباط أو علماء الفلك، بل أضع حالي بمحاذاة من يمارسون مهنتي.. أين أصبحت أنا وأين وصل المنافسون؟ ما حدود نفوذي الصحفي وما حدود نفوذهم؟ شبكة علاقاتي وعلاقاتهم؟ منصبي ومناصبهم؟ راتبي ورواتبهم؟.. كل شئ بيننا قابل للطرح والمقاربة أو التباين في ضوء ما نملكه من موهبة وطاقة وإمكانات.
قبل أن يتملكك الفضول لمعرفة إجابات كل هذه الأسئلة، فاسمح لي أن اعترف بأن جميع المقارنات السابقة ليست في صالحي ولا ترجح كفتي، واعلم أنك لو قررت اتباع ملتي في المعارضة، ستصبح بائساً ومفلساً مثلي، فالقاعدة الثابتة في “شبه الدولة” أن الأقربين للنظام السياسي هم وحدهم أصحاب الحظوة والرزق الوفير.

بالتأكيد، يحق لك أن تمضي مع اتجاه الغالبية في مصر، سائراً عن قناعة أو إكراه خلف العلامات الإرشادية التي ترسمها السلطة.. أما إن تخلفت وتمردت وسرت عكسها، فلا يجب أن تشكو كثرة المنحنيات والصدامات، بمعني إن قررت أن تعارض نظام الحكم فلا تبكي من التجاهل أو تصرخ من الألم أو تخشي التقييد والإبعاد.. فـ”عارض في صمت واكتئب في صمت وانتحر وحدك وفي صمت أيضاً”.

هذه واحدة من بديهيات كثيرة نشأنا ونحن نراها تنمو وتزدهر، أما باقي البديهيات فيمكن إيجازها في هذه العبارة الشاملة: “المتغطي بالسلطة ليس عارياً، بل نحن العراة الحفاة إلا من شئ ثانوي ومهمل اسمه عقيدة الحق”.. هذه هي الحقيقة الساطعة حتي لو رفضناها وأشحنا عنها وجوهنا، وبالتالي فإن استهجانك وحده لبديهياتي لن يفيد.

المشهد العام بات مُخجلاً لدرجة أنني كثيراً ما أرتاب في قناعاتي.. فلم أعد أملك جرأة المزايدة بتلاوة القصائد عن فوائد النضال لأجل العدالة، ولن يصدقني أحد لو رفعت شعارات براقة عن حتمية السعي لحين إرساء قواعد الإنسانية والمساواة.. فهذا كله صار هذياناً أمام واقع لا يعترف إلا بما تملكه من قوة ونفوذ وسطوة.

لا تقلق، فلن أشقيك هذه المرة ببكائيات عن حلم “أد الدنيا” الذي تلاشي، ولن أجتر أحزاناُ قديمة عن شغف الحرية الذي تبدد، بل سأقص لحظة ذاتية أحرص فيها علي الخروج من قالب النظريات والأدبيات إلي الواقع الملموس.. فأنا مثلك أؤمن بأنه إذا وجدت التجربة سقطت تحتها كل النظريات الأخري.

لن تصدق أن الثوان التي تنظر فيها إلي المرآة تمثل لشخص غيرك لحظة فارقة في حياته.. قد يري تجعيدات تبدو وكأنها محفورة في الوجه من شدة الإحباط، أو يلاحظ تزايد لخصلات الشعر الأبيض التي لمعت في رأسه قبل أوانها، أو العيون التي تكسوها نظرة حزن، ولكنه رغم تلك الصورة الباهتة يبدو واثقاً من ذاته فخوراً.. فهو يعلم تمام اليقين بأن حياته ليس فيها ما يشين أو يضطره لأن يطأطئ الرأس خجلاً ومذلة.

هذه ليست رومانسية حمقاء، ولا مدحاً لشخص ما يتصور أنه وحده النبيل وغيره هم الأشرار، ولكنها لحظة لا يدرك قيمتها من يطنطون ليل نهار عن شعارات لا يصدقونها، ويزايدون علي وطن سئم أكاذيبهم وهراءهم.. ولو اختلا هؤلاء بذواتهم فلن يقووا علي اجتياز “اختبار المرآة” بنجاح.. فهناك للأسف ما سيجبرهم علي طأطأة رؤوسهم واحتقار أنفسهم.

ربما لن تجعل منك المعارضة شخصاً ثرياً أو صاحب شبكة العلاقات النافذة.. ربما تكون سبباً في شقاءك وحملاً ثقيلاً فوق ظهرك، ولكن اعلم سيدي القارئ إنها ستجعل منك شخصاً يحترم ذاته فيحترمه الآخرون ويصدقونه ويثقون في آراءه وكلماته.. فالخيار السهل بالانقياد وراء المطامع علي حساب المبادئ، والسكوت عن الحق رغبة في الترقي، مذاقه شهي ورائحته نفاذة، ولكن المؤكد أن الخيار الأصعب باحترام الذات والانحياز إلى القناعات والمبادئ هو الأصح، رغم مرارة المذاق وصعوبة الهضم، فهو ما يمكن وصفه بأنه “العلقم كالدواء”.

الآن سيدي أكملت لك سرد التجربة وأتممت عليك نعمة المعارضة، وهنا أقصد المعارضة التي تدافع عن الحق وليس التي تهرول خلف الثراء والشهرة.. وأناشدك بحق ما تكبدته لقراءة هذه المقال الممل، أن تتروي قليلاً قبل أن تحسم قرارك النهائي.. فإما أن تختار أن تكون “صديقاً لمرآتك” أو أن تكون “عدواً لنفسك”.. وقطعاً لك مطلق الحرية في القرار والاختيار.