“هيومان ووتش”.. زلزال أم زوبعة فى فنجان؟

أخطر ما حواه تقرير منظمة “هيومان رايتس ووتش” حول أوضاع حقوق الإنسان فى مصر، هو تحميله الرئيس عبد الفتاح السيسى شخصيا مسئولية منح وزارة الداخلية الحرية الكاملة لارتكاب الانتهاكات التى أدت لاشتعال ثورة 25 يناير 2011، ومنها الاعتقالات التعسفية والإخفاء القسرى للمعارضين وتلفيق القضايا لهم، وتعذيب المناوئين للسلطة مما أدى إلى موت 30 معتقلا، وذلك بسبب نظام الحكم السلطوى الذى يقيمه الرئيس بعد انتخابه بهدف تحقيق “الاستقرار السياسى” مهما كان الثمن!

قد يرى البعض – حتى من معارضى السيسى فى مصر – أن المنظمة تخطت “دورها الحقوقي”، ودخلت فى المضمار السياسى بشكل سافر، وأن “عدائها” للسلطات المصرية تجاوز كل الخطوط الحمر فى التعامل مع رؤساء الدول، خاصة وأنها لم توثق وقائع التعذيب فى المعتقلات المصرية بشكل قانوني، ولم تقدم سوى شهادات لضحايا التعذيب بدون ذكر أسمائهم الحقيقية، إلا أنها فى المقابل توجهت إلى السلطات القضائية والأمنية فى مصر قبل 5 شهور من نشر التقرير، بهذه الحالات التى ذكرت أنها تعرضت لأنواع شتى من التعذيب الهمجى، فلم تتلق أي رد، ولم تكلف أى جهة مسئولة فى مصر نفسها عناء التواصل مع المنظمة، أو حتى التحقيق فى الحالات التى قالت إنها تعرضت للتعذيب، وهو أمر فى حد ذاته يفرض على البرلمان أن يناقشه وأن يبحث عن سبب عدم رد هذه الجهات المصرية على تقرير المنظمة، إلا ان ذلك أيضا لم يحدث!

صحيح أن الانطباع العام فى مصر، أن هناك تعذيبا داخل المعتقلات، بل أن الداخلية نفسها اعترفت بوقوعه، لكنها قالت إنه حالات فردية تم معاقبة مرتكبيها وتقديمهم للمحاكمة، عكس ما تقول به “رايتس ووتش” التى أكدت فى تقريرها أن التعذيب منهجيا، بمعنى أنه يمارس بشكل دورى ومستمر فى المعتقلات والسجون المصرية، وهو ما كان على المنظمة أن تثبته بشكل يقيني، وبأدلة وقرائن واضحة ومحددة، أو على الأقل كان ينبغى عليها أن تكتفى بطرح شكوكها فى هذا الصدد، طالما لا تمتلك أدلة مادية تعزز بها اتهاماتها الخطيرة، وحتى لا تصبح المنظمة الحقوقية وكأنها حزب معارض للسلطة فى مصر!

ومع ذلك، فإن تقرير المنظمة كان أشبه بالزلزال الذى أصاب الكثيرين فى مصر بالذعر، خاصة وأن توقيت صدوره تزامن مع حملة شنتها وسائل إعلام ومنظمات حقوقية أمريكية ضد انتهاكات حقوق الإنسان التى تمارسها السلطات المصرية منذ عدة سنوات ضد المعارضين، وبخاصة من المحسوبين على الإخوان المسلمين، كما تزامن مع إقدام الإدارة الأمريكية على تخفيض وحجز جزء من المعونات المقدمة لمصر، وهو ما يراه الكثيرون بداية تصدع الحلم الوردى الذى راود مؤيدى السلطة فى مصر باستمرار شهر العسل الذى يجمع بين البلدين إلى أجل غير محدود، وأن الكيمياء التى جمعت بين رئيسى البلدين سوف تضمن وصول الدعم الامريكى لمصرإلى مستويات غير مسبوقة!

ما نعرفه أن طريقة صنع القرار فى أمريكا ليست حكرا على الرئيس، هى محصلة توازنات بينه وبين الكونجرس والبنتاجون والخارجية ولوبيات الضغط والشركات الكبرى ووسائل الإعلام والمراكز الحقوقية، وما نعرفه أيضا أن السلطات المصرية لا ترتبط بعلاقات ودية مع كل هذه الجهات، سوى الرئيس دونالد ترامب فقط، وهو وحده لن يستطيع فرملة أى قرارضد النظام المصرى قد تضغط هذه الجهات لإصداره، وهو ما يعنى أن رهان السلطات المصرية على ترامب فقط سيكون رهانا على حصان خاسر، وأن ما أثاره تقرير “هيومان ووتش” لن يكون مجرد زوبعة فى فنجان، سيسقطه العالم من ذاكرته بعد عدة أسابيع أو حتى عدة شهور، بل سيكون سلاحا فى يد العديد من الجهات الأمريكية للضغط على ترامب لفرض المزيد من الضغوط على السلطة فى مصر.

فى نظر الكونجرس لم يعد لمصر قيمة استراتيجية كبيرة فى المنطقة، تبرر السكوت عن انتهاك نظامها لحقوق الإنسان، وفى نظره أيضا أن مصر هى التى تحتاج إلى السلام مع إسرائيل أكثر من حاجة إسرائيل، بل إن سعى مصر لشراء أسلحة متطورة يواجه بانتقادات حادة داخل الكونجرش الذى يرى أعضاؤه أنه كان ينبغى توجيه هذه النفقات العسكرية إلى توفير فرص عمل لملايين الفقراء فى مصر، وهو نفس الرأى الذى تتبناه معظم الجهات التى تؤثر على صنع القرار فى أمريكا، وكل هذا يضع السلطة فى مصر أمام خيارين لا ثالث لهما:

** إما أن تستمر فى سياساتها الحالية إلى ترى أن الشعب المصري غير مؤهل للديمقراطية، وتستمر فى غلق المجال العام والتضييق على حقوق الانسان وحرياته، بما يحمله ذلك من مخاطر انفجار الأوضاع الداخلية واستمرار الضغوط الخارجية.

** أو أن تبدأ فورا فى الانحياز إلى قيم الحرية والديمقراطية التى يوفرها الدستور، وأن تدرك أنها تسير فى الطريق المعاكس لكل التوجهات التى يؤمن بها العالم اليوم، وأن احترامها لحقوق الانسان وحرياته هو الضمانة الوحيدة لتحقيق أى تقدم فى مصر، وأن عصرالزعامات التاريخية الملهمة قد ولى بغير رجعة.

أنا شخصيا لست متفائلا بأن السلطة فى مصر سوف تختار الطريق الصحيح، لا أفقها الفكرى والثقافى يتيح ذلك، ولا انحيازاتها الاجتماعية، ولا حتى طريقة إدارتها لأزماتها التى مرت بها، كل ما يمكن قوله إننا نسير نحو المجهول ونحن معصوبو الأعين!