هدية للقابضين على الحلم

إذا كنت ممن يهوون القراءة، وخاصة إذا كنت تعشق مطالعة الأدب، فأنا أضمن لك قسطا وافراً من السعادة، وأبشرك بفيض من الإحساسات النبيلة في زمن جفت فيه منابع الفرح والنبل.

سوف تشعر بكل تلك المشاعر وأكثر منها حين تسارع إلى قراءة أحد أهم أعمال الروائي العالمي “باولو كويلو” وأشهرها، أقصد رواية ” السيميائي” التي كان الأديب الكبير بهاء طاهر هو أول من ترجمها إلى العربية باقتدار وبلاغة مشهود له بهما.

حقق باولو كويلو شهرة واسعة عبر العالم كله، وترجمت أعماله إلى عشرات اللغات، وبيع منها حول العالم عشرات الملايين، وكان لروايته الشهيرة “السيميائي” نصيب الأسد من هذه الأرقام المذهلة، وهي التي جعلت روايات باولو على قائمة أفضل الكتب مبيعاً لأشهر طويلة في العديد من دول العالم، وكانت سبباً في أن يحصد أكثر من أربعة عشر جائزة كبرى، ودخلت موسوعة جينيس للأرقام القياسية لأكثر كتاب مترجم لمؤلف على قيد الحياة، وقد بيع منها 65 مليون نسخة في أكثر من 150 بلدًا، مما جعلها واحدة من أكثر الكتب مبيعًا على مر التاريخ.

ترجمت “السيميائي” إلى العربية تحت عنوان “ساحر الصحراء”، وأصدرتها دار الهلال أواسط التسعينيات، وصدرت لها منذ مدة طبعة عربية أخرى بعنوان “الخيميائي”، وهو العنوان الأشهر لها، وهذه الطبعة تحوي مقدمة بقلم الكاتب نفسه، ولكني أعترف أني بقيتُ منحازاً لترجمة الأستاذ بهاء طاهر للرواية.

تتناول الرواية قصة راعٍ أندلسي شاب مضى للبحث عن حلمه المتمثل بكنزٍ مدفون قرب أهرامات مصر، بدأت رحلته من أسبانيا عندما التقى الملك “ملكي صادق” الذي أخبره عن الكنز، عَبَرَ مضيق جبل طارق ماراً بالمغرب حتى بلغ مصر، وكانت توجهه طوال الرحلة إشارات غيبية.

وفي طريقه للعثور على الكنز أو “الحلم”، أحداث كثيرة تقع، كلُ حدثٍ منها استحال عقبة تكاد تمنعه من متابعة رحلته، إلى أن يجد الوسيلة التي تساعده على تجاوز هذه العقبة.

فكرة الرواية بسيطة وعميقة، تتلخص بجملة قالها الملك للراعي الشاب: “إذا رغبت في شيء، فإن العالم كله يتآمر لتحقيق رغبتك”.

هي رواية للقابضين على الحلم، أولئك الذين يظل حلمهم يتصاعد داخلهم، ويزيد تشبثهم به يوماً بعد يوم، حتى يكبر ويملك عليهم حق الطاعة والانصياع إليه فيجرهم جراً وراء التحقق.

القبض على حلمك والانصياع وراءه هو عمق هذه الرواية الجميلة في بساطتها، العميقة في حكمتها، والمتجذرة في أرض التجربة الإنسانية تلك التي تجيء من التعلم من “رؤية العالم”.
هي رواية الحالمين إذن..
بل هي رواية القابضين على حلمهم..
وأكثر تحديداً ودقة هي رواية الساعين إلى تحقيق الحلم الذي هو تحقيق الذات.
وسيكون من الطبيعي أنك إذا جلست إليها تقرأ أولها فلن تقوم من مقامك، ولن يرتد إليك طرفك قبل أن تنتهي منها..
ستأخذك من نفسك وإذا شئت الدقة فإنها ستأخذك إلى نفسك..

سوف تنتهي من قراءة “السيميائي” لكي تبدأ في التفتيش داخلك عن حلمك الذي خبا أو خفت حدته، وربما يكون قد ضاع منك في زحمة التفاصيل الصغيرة، أو بين طيات تعاقب السنين والأيام والساعات والثواني المكررة..

سوف تفتش داخلك عن أسطورتك الذاتية التي ينبغي عليك تحقيقها التي حاولت وصارعت وتصالحت وتخاصمت لكي تصل إليها..
وما إن تنتهي من التهام صفحات الرواية المائة والخمسين حتى تضيء داخلك فكرة أنه كانت هناك دائما في الطريق إلى تحقيق حلمك، في الطريق إلى تحقيق أسطورتك الذاتية علامات وإشارات ربما تنبهت إلى بعضها، وربما أفلت بعضها الآخر منك، علامات ترشدك، وتوجه حركتك في اتجاه الحلم، ولكنك منذ الآن، منذ لحظة تنتهي من العيش مع “ساحر الصحراء” سوف تبدأ في تلمس ما بقي لك من علامات دالة فوق طريقك المرسومة..

سوف يعلمك “السيميائي” أو لعله يوقظ فيك حاسة النفاذ إلى ما يسميه “روح العالم”، وسوف تعرف أن السر يكمن في الاستماع إلى قلبك، ذلك الذي يدرك كل شيء لأنه “قبس من روح العالم”..
استفت قلبك وسر وراءه، واستمع إليه في طريقك إلى تحقيق حلمك..

سيعلمك “السيميائي” أن المحن هي الأداة التي صنعتها يد الحياة لكي تصهر معدنك مثل الذهب قبل أن تعطيك كنزك، قبل أن تمنحك أسطورتك الذاتية، قبل أن تكون أنت كما تريد، لا كما يريد الآخرون، أو كما تسيرك الظروف والملابسات الطارئة..
ما هي أسطورتك الذاتية؟
هل سألت نفسك من قبل مثل هذا السؤال؟

سوف تسأل نفسك، وسوف تستمع إليها وهي تقول إنها ما تمنت دائما أن تفعله، كل منا يعرف في صدر شبابه وفي مستهل حياته الحقيقية ما هي أسطورته الذاتية، في تلك المرحلة من العمر يكون كل شيء واضحاً، ويكون كل شيء ممكناً، ولا يخشى الإنسان من الحلم، ولا يخاف من أن يسعى وراء كل ما يشتهي أن يفعله في الحياة..
مع مرور الوقت تبدأ قوة غامضة في محاولة إثبات استحالة تحقيق أسطورتك الذاتية..
ولأن الناس يدركون في وقت مبكر جداً مبرر وجودهم، فربما كان هذا بالذات هو السبب وراء أنهم يتخلون عنه مبكراً أيضا..

الحديث عن الأسطورة الشخصية هو المحور الأساسي للرواية سوف يشد خيالك للتحليق إلى ما وراء الحلم الشخصي، وربما إلى لحظات العجز التي يمر بها كل شخص في مرحلة من مراحل السير نحو الهدف.

الرواية تنتهي في المكان الذي بدأت منه، في دلالة بليغة على أن الذي نبحث عنه قد يكون بين أيدينا، أو تحت أقدامنا، كما هو كنز الراعي، ولكننا لا نرى ذلك، لقد شغل الحلم فكر راعينا واجتهد في تفسيره، وتحمل رسالة شديدة الأهمية يقول لنا إننا يجب أن نلاحق أحلامنا، أو كما يسميها كويلو “أسطورتنا الذاتية”، وأن ننفخ الروح في هذه الأحلام؛ لتتجسد في واقعنا، فإن للعالم روحاً وإننا جميعاً جزء من روح العالم، وهي روح ترى وتسمع وتقرر وتسير وتدير كل شيء، ولها لغة تخاطبنا بها هي لغة العالم أو الكون وتأتينا عن طريق إشارات توجهنا في الحياة.

هي على الحقيقة دعوة إلى ترسيخ مفاهيم الوعي الذاتي بطاقة الإنسان وإمكاناته اللامحدودة، وإشعال القدرة على معرفة أسرار الذات، والانطلاق من الداخل لتحقيق الحلم، والتغلب على كل العقبات لتحقيق الأسطورة الذاتية، بمساعدة منظورة لكل ذي قلب سليم من روح العالم التي ستسخر كل شيء لمساعدة الحالم في تحقيق حلمه.

هذه الرواية فضلاً عن جرعة الإمتاع غير المحدود التي سوف تحصل عليها وأنت تعايش فصولها وأحداثها، فإنها ستؤكد لديك بل سوف تملؤك بمعنى جميل ورائع وبسيط في آن معا واحد، ذلك هو أنك: “عندما تريد شيئا بإخلاص فإن العالم كله يتآمر لمصلحتك”..

هي رواية تستحق الالتهام من أول نظرة، وهي لذلك باعت في طبعتها الفرنسية خلال الشهور الأولى من صدورها مليون نسخة، ولقد زاد ألق النص عندي تلك اللمسة الساحرة التي خطتها ريشة فنان وأديب فذ في ترجمتها، وسوف تحس مثلي لمسة بهاء طاهر المبدعة.

إذا كنت قد نجحت في أن أحرك الرغبة داخلك لقراءة هذا النص، فإنك تكون قد أضفت إلى سعادتي بها سعادة أخرى جديدة، هي جديرة بها، وأنت جدير أيضاً.