مكة..انتزاع القداسة (3)

تبدو مكة الآن بعد ما وقع عليها من تخريب ودمار أقرب كثيرا إلى شكل المدينة الخليجية المعاصرة، أو كأحد المراكز التجارية الأهم في العالم، كونها تقدم إمكانات هائلة تضعها في مقدمة مدن الاستثمار الرأسمالي العولمي؛ لكنها أبعد ما تكون عن شكل المدينة المقدسة التي تهفو إليها النفوس، وتشتاقها لقلوب.. إن شيئا ما في مكة قد فُقِدَ إلى الأبد، غًيّب كُليةً فلا أثر ولا علامة.. لقد دخلت مكة عصر الانمحاء والمحو، ولم تعد البلد الحرام الذي نعرفه، بعد ان تغرًب فيها كل شيء باستثناء البيت، وأجزاء من المسجد الكبير بدت ناتئة وسط “التأمرك” البغيض الذي يحاصر الناظر من كل صوب.
يقول الدكتور علي عبد الرؤوف في كتابه” من مكة إلى لاس فيجاس إن ” رأس المال البترولي يكشف عن نفسه بضراوة في مكة المكرمة؛ ليكون تأثيره مثيرا ومذهلا، ولكنه -أيضا- مدمر ونفعي بامتياز. إن ما يحدث في مكة يجعلنا –دائما- نتخوّف من وجود تحالف غير مرئي بين السلطة الدينية، وسلطة التدفقات النقدية البترولية، وأن تكون هوية وقدسية وروحانية مكة المكرمة هي أو ل ضحايا هذا التحالف”.
وبالتأكيد فإن تلك الروح النهمة ستزداد جشعا مع وصول عائدات الحج والعمرة لأرقام كبيرة(16.2مليار دولار) لعام 2014، وتخطي عدد الحجيج حاجز الثلاثة ملايين، وضعف هذا العدد وأكثر بالنسبة للمعتمرين، مع توقعات بتزايد الأعداد بعد التوسعات الأخيرة، استهدافا للوصول لرقم 17 مليون حاج ومعتمر بحلول عام2025.
يقول م. عنقاوي”إننا نشهد بأسى عملية تدمير مكة قلب العالم الإسلامي..إنهم ينتزعون القلب الطبيعي؛ ليضعوا آخر صناعي( ميكانيكي)”.

إن هذا القلب الطبيعي الذي يتحدث عنه م. عنقاوي يبدو مثيرا جدا لأحقاد المسيطرين على السلطة الدينية في البقاع المقدسة؛ فكل ما هو طبيعي له تاريخ، والتاريخ هنا يعني تلك الآثار والعلامات التي تنتشر في مهد الإسلام؛ إن تلك المعالم التاريخية –ذات القداسة- هي في نظر تلك السلطة لا تعدو كونها باعثة على الارتداد للوثنية، وحسب تلك المخاوف المزعومة؛ فإن الأسهل من توعية الناس بحقيقية التوحيد، وما يخالفه من ممارسات، وضرورة التحرز منها- هو أن تختفي تلك المعالم من الوجود لتحل مكانها أبراج تناطح السحاب، تكرس للتوجه الرأسمالي العولمي في الاستثمار العقاري الذي تسبب في الأزمة المالية العالمية في 2008، وهو الخطر الذي رُصد في أكثر من دراسة أشارت إلى أن نسبة شغور الفنادق تتجاوز الـ50% والإيجارات في معظم أسواق مكة مرتفعة جدا، مع وصول سعر القدم المربع حول الحرم إلى 18 ألف دولار!
إن تحويل قلب المدينة إلى قلب ميكانيكي -حسب تعبير عنقاوي- هو هدف في حد ذاته يجعل المدينة منبتة الصلة عن جذورها التاريخية، بعيدة كل البعد عن ملامح الرسالة المحمدية، بل ومضادة لكل ما تمثله رحلة الحج للمسلم من قيم روحية، وأهمها قيم الإخاء والمساواة التي تتلاشى رويدا رويدا بين حجاج أجنحة “فيرمونت” ذات الخمسة آلاف دولار، وآخرين يؤدون المناسك سيرا على الأقدام.. وكأن تفريغ الحج من تلك المضامين الإنسانية هدف آخر تسعى إليه هيئة التطوير!

يشير د. ضياء الدين سردار في كتابه “مكة المدينة المقدسة”إلى الدلالة الرمزية للساعة العملاقة التي تطل من الجهات الأربعة للبرج الملكي- كونها تفرض فكرة آنية الزمن وانقطاعه التي تعارض دلالة الزمنفي الحجإذ أنه”زمنمركبوممتد،فإذاكانالزمنالبسيطالماديقدأصبحيُنظرلهباعتبارهمركباومعقدا،وظهرترؤيةللزمنيتراجعفيهالتركيزعلىمسارهالتاريخيالأطولكمسارواحدمعاعتبارالتاريخأزمنةمتجاورةمتعددةوتعدديةالزمنالجاريبنفسالدرجة،ووضعذلكفيمنظومةأوفلنقلمصفوفةتعينناعلىفهمالزمنوالتاريخفيامتدادهما”.
وطبقا لتلك الرؤية يبدو أن هذه الساعة الضخمة قد وضِعَت لتذكّر عمار بيت الله بأنهم بوجودهم في هذا المكان قد دخلوا في نطاق عملية تجارية كبرى دقيقة لا يجب التغافل عن حساب أرباحها وما تدره من مداخيل على مدار الساعة، وهو ما يستدعي حالة من الانتباه يتوجب معها الخروج من حال الزهد الكامل وما تمثله ملابس الإحرام في بساطتها- كأنها أكفان- من استحضار لجلال الموت، والاستعداد للقاء الله، وما تمثله شعائر الحج من تمثل لبدايات الخلق ورسالة الخليل إبراهيم التي تتجلى فيها أعظم معاني التسليم لله والتوكل عليه.. إن تلك الضخامة -كما يشير سردار- بما تحمله من مظاهر الاستعلاء والزخرف، تحيّز الزمن في التصور الإسلامي، وتكبح أبعاده الروحية والغيبية على نحو شديد الإجحاف.
إن مكة الماثلة في أذهان غالبية المسلمين في العالم، لم تعد موجودة بالفعل، إنها تتحيز الآن في إطار يضيق على مهل في طريق التلاشي، إن المدينة المقدسة الآن قد دخلت في نفق مظلم حتى صارت إلى حال يشبه الاحتضار-حسب تعبيرد. عبد الرؤوف- ويبدو خروجها من هذا النفق شبه مستحيل مع ذلك الإصرار غير المبرر على تحويلها إلى مدينة تستهدف في المقام الأول جيوب الحجيج لا قلوبهم.. مدينة تلقى في روع زوارها قسوة المادية وسطوتها القاهرة لا رحمة الخالق، وعظمته الظاهرة.. إن الأمر مؤسف في كافة جوانبه بشكل يستعصي على التصور، لكن أكثر ما يؤسف له هو صمت 1.6 مليار مسلم حيال تدمير أقدس بقاع الأرض بالنسبة لهم.. إنها صورة من أبشع صور إهدار الحق التي عرفتها البشرية، عندما تستأثر فئة من الناس، لا تحركها سوى الأطماع الرأسمالية، وربما أهداف أخرى غير معلنة بتغيير طبيعة؛ بل تدمير تلك البقعة المقدسة عند أكثر من خمس سكان الأرض، التي كانت تضم تراثا إنسانيا يزيد عمره على أربعة عشر قرنا- تم محوه دون أن يطرف لأحد جفن، بزعم التطوير والتوسعة واستجابة لمشايخ “فوبيا” عودة الوثنية.