مكة.. انتزاع القداسة (2)

” إن مكة من دون هوية، من دون تراث، بدون ثقافة، وأيضا بدون محيط طبيعي، ولا يتنفس الحجيج هواء صحيا لأن مكة بلا أشجار أيضا.. إن هذه الحياة الصماء لا تقتل علاقة الحاج بالخالق فقط؛ بل تقتل أيضا سلوكيات الحياة كما رسمتها الرسالة المحمدية”.. هذا ما قاله الدكتور سامي عنقاوي مؤسس مركز أبحاث الحج بمكة، بعد نحو أربعين عاما من الدفاع عن الإرث الثقافي والحضاري والتاريخي للمدينة المقدسة، لم يستطع خلالها وقف هذه الهجمة البربرية الشرسة على مكة إذ تم محو نحو ثلاثمئة موقع تاريخي وأثري، وما بقي من مواقع لا يتجاوز عدده أصابع اليد الواحدة.

في مارس الماضي نشرت “الإيكونوميست” البريطانية تقريرا بعنوان ” تدمير مكة أكبر مشروع للبناء يمحو 1400 سنة من تاريخ الإسلام”. أثار التقرير حفيظة الأمراء القائمين على تحويل المدينة إلى مسخ نيوليبرالي بلا ملامح، خاصة أن التقرير قد ذكر صراحة أن” حاكم مكة المكرمة الأمير خالد بن فيصل آل سعود يحاول تعويض إخفاقاته السابقة، حيث تولى مهامه في عام 2007 قادما من منطقة “عسير، وكانت خططه لإقامة الأبراج الحديثة في مدينة “أبها” قد فشلت إلى حد كبير”. وأضاف تقرير “الإيكونوميست” أن الملك سلمان بصفته خادما للحرمين، يرى أنّ زيادة الحركة تزيد من هيبته وتعود عليه بالمنافع المادية.. وسيكون من شأن هذه التوسعات زيادة عائدات الحج لتنافس عائدات النفط”.

لكن هناك شكوك كثيرة تشير إلى أن تدمير المدينة المقدسة على هذا النحو لا يرمي إلى تطوير خدمة الحجيج والتوسعة فقط.. إذا ما وضعنا في الاعتبار تلك المعلومات الهامة التي أوردتها منظمة شؤون الحج الامريكية في تقرير لها كشفت فيه عن الإهمال الجسيم -وربما المتعمد- في الرعاية الصحية للحجيج بمكة، إذ يبعد أقرب مستشفى عن الحرم الشريف أربعة أميال، ويحتوى مستشفى “أجياد” للطوارئ على اثنين وخمسين سريرا فقط، كما لا يوجد بنك دم بالمدينة المقدسة، ولا مركز إطفاء حيث يوجد أقرب مركز للمساعدة بالطائف، ويستغرق وصول المساعدة أكثر من ساعة، وهناك خلل واضح في النواحي الأمنية إذ تعرضت مجموعة من الحجاج الأمريكيين الشيعة للطعن بالسكاكين من جانب متشددين، على إثر ذلك قدمت مجموعات من المسلمين الأمريكيين في أغسطس قبل الماضي- طلبات حماية أثناء الحج للسلطات الأمريكية.. علقت المنظمة الأمريكية لشؤون الحج على ذلك بقولها: في مقابل أي شيء يتم تدمير تراث إنساني فريد على هذا النحو، كما تم التذكير بواقعة إحراق المخطوطات في “تمبكتو” وأن ما يحدث في مكة أفدح منه بكثير.

جبل أبي قبيس أشهر جبال مكة قبل تدمير كافة معالمه.

في مقال لهما بصحيفة ” وول ستريت” أوضح “ريشار روبن” و”ليز هوفمان” أن شركة “هيلتون” المالكة لأبراج مكة، هي شركة أمريكية عامة، أي أن كل ما تملكه الشركة داخل الولايات المتحدة وخارجها مملوك للدولة وفق القانون، وبناء على ما تقدم، وإلى جانب عوامل أخرى تصل سيطرة أمريكا على منطقة الحرم الشريف إلى نحو ثمانين بالمئة!
وحسب مقال “وول ستريت جورنال” يكون القسم الأكبر من أراضي الحرم الشريف الذي آلت ملكيته إلى الشركة قد دخل في نظام ( IRS) للحماية من جانب الجيش الأمريكي- المارينز تحديدا- منذ فبراير ما قبل الماضي.

ومنذ العام2001، لا تكف “هيلتون” عن التمويل والتعاون مع الشركات الراعية لبعثات التنقيب – معظمها فرنسية- التي تعمل على البحث عن ” أركيولوجيا ما قبل الإسلام” والتأكيد على تجاوز الحقبة الإسلامية في تاريخ الجزيرة العربية بمعلومات مثل أن الخط العربي سابق عن الإسلام بمئة وخمسين عاما- تقرير صادر عن أكاديمية المخطوطات والفنون الجميلة بفرنسا- واكتشاف أقدم أثر عربي يعود إلى سنة 470م في منطقة “بيرهيما” على بعد مئة كيلو متر من نجران.. إلى جانب ما صرح به المؤرخ الفرنسي” كريستيان روبان” من أن مملكة “حِمْيَر” دانت باليهودية التي شكلت المكون الرئيس في التعاليم المحمدية-حسب زعمه- كذلك التأكيد على الصيغة السبئية لمنحوتات صخرة “ثوبان بن مالك” المكتشفة في مارس من العام الماضي، وترجع إلى522م وتظهر أن “الصلوات اليومية والختان والوضوء والحج والزكاة وتحريم الصور والتماثيل وتحريم أكل لحم الخنزير”.. كانت معروفة في الجزيرة العربية في عصور ما قبل الإسلام.. وفي مقابل هذا النشاط الدؤوب في البحث الأركيولوجي عن عصور ما قبل الإسلام- تم فقد أو محو أربعمئة واثنتين وثلاثين علامة أركيولوجية إسلامية؛ ليصبح جملة المتبقي من هذه العلامات خمس علامات فقط على أقصى تقدير! ويرى كثيرون ممن لا تنقصهم الدراية أن محو تاريخ الإسلام على هذا النحو يهدف إلى حرمان الإسلام “من أي جوهر تاريخي أو مادي، وأي جوهر ذاتي، كي يكون نِحلة أو طائفة بعد تكفير الطوائف لبعضها البعض، وعلى هذا الأساس، يكون الإسلام بلا هوية”.

الحرم الشريف ويظهر مسجد بلال الذي تم تدميره أعلى جبل أبي قبيس

يتزامن هذا التدمير الممنهج لتاريخ الإسلام في أقدس بقاعه “مكة المكرمة” مع تصاعد الدعاوى السلفية المحذرة من ممارسات بعض المسلمين” الشركية” في مدينة الرسول؛ مما اعتبره البعض تمهيدا من قبل السلطات لمنع الصلاة في مسجد الرسول “خوفا من الشرك لوجود قبر الرسول”.
وحسب تقرير أذاعته شبكة CNN الإخبارية أن خطة تدمير مكة وإنهاء أي “هوية أركيولوجية” للإسلام لن تنجح بنسبة عالية؛ إلا بسلخ الحرم النبوي عن المكي وهو ما يجب السعي فيه دعائيا وعمليا؛ حتى يتحول قبر الرسول إلى “مزار لا تجوز فيه الصلاة” وهي المقولة التي صارت تتردد بقوة في أوساط المتشددين، وتلقى قبولا واسعا من جمعيات سلفية التوجه في مصر تحديدا كما أفادت الشبكة.
يبدو أن الأمر لم يعد محصورا في إصرار الحفاة العراة رعاة الشاة على التطاول في البنيان، والائتناس بالضخامة المفرطة لتلك الكتل الخرسانية، والأجواء الاحتفالية لتزاحم مطاعم الوجبات السريعة الأمريكية في طرقات مكة.. إن الأمر يتعدى ذلك إلى الاكتفاء بالكعبة فقط، وبطقس الطواف حولها بينما تطل عليها أقواس مكدونالدز الذهبية من “الشوقية” بالقرب من أبواب الحرم؛ لتملأ نفوس الحجيج بروحانية جديدة بنكهة الغرب الأمريكي.