مكة.. انتزاع القداسة (1)

” أهل مكة أدرى بشعابها” يبدو أن هذا المثل لم يعد صالحا للاستخدام في أيامنا هذه بعد أن اختفت تلك الشعاب والوديان والتلال ومعها 95% من معالم مكة التاريخية تحت الأبراج الشاهقة التي يتجاوز أكثرها ارتفاعا حاجز الـ600 مترا.. ويعد هذا البرج الأكبر مساحة في العالم بحيث تبدو الكعبة المشرفة إلى جواره ضئيلة جدا ولا تكاد ترى بينما يظهر برج الساعة الذي يحتل فندق “فيرمونت” عدة طوابق منه إلى جانب عدد كبير من المراكز التجارية والمطاعم العالمية التي لا تخدم إلا طبقة فاحشة الثراء.

في العام1964، زار “مالكوم إكس” مكة وقضى فيها عدة أيام.. كان انبهار الرجل بالمدينة واضحا حتى أنه قال أن الجمال المعماري للحرم يتجاوز جمال قصر “تاج محل” بكثير.. لا شك أن “مالكوم” سيصاب بالدهشة لو قدر له زيارة المدينة المقدسة اليوم، ورؤية(KFC) على بعد خطوات من أبواب الحرم.

تدمير المعالم التاريخية للمدينة على هذا النحو يرتكز على أساس عقدي تدعمه السلفية الوهابية واسعة الانتشار في الجزيرة العربية، والتي تتماهى في معظم رؤاها مع المتحكمين في مقاليد الأمور في البقاع المقدسة.. فعندما اكتشف بيت السيدة خديجة – رضي الله عنها- في 1989، سارعوا إلى طمس معالمه، ثم تحول المكان إلى حمامات عامة قبل أن يدخل في توسعات الحرم.. من المعروف أيضا أن المنزل الذي ولد فيه الرسول- صلى الله عليه وسلم- استخدمت مساحته كسوق للماشية لفترة طويلة، قبل أن تقام مكانه مكتبة لا يسمح للناس بالتردد عليها، ثم استخدم المكان كموقف للسيارات، ويؤكد الباحث ضياء الدين سردار أن المكان قد تم تحويله لمراحيض عمومية أثناء حرب تحرير الكويت.. أما بيت الصديق أبي بكر؛ فإن فندق مكة هيلتون احتل مكانه لفترة طويلة.. ويضيف سردار وهو باحث بريطاني قضى 40 عام في جامعة جدة يجري أبحاثا على الحج والبقاع المقدسة أنه عندما رأي مكة للمرة الأخيرة وجدها قد تحولت إلى مزيج شائه بين ديزني لاند ولاس فيجاس! ويضيف ضياء الدين أن” مدينة مكة أصبحت تعاني من فراغ روحي وديني بعد أن غلب عليها الطابع المادي؛ وهو ما يعكس حالة الانفصام التي تعيشها المملكة العربية بصفة عامة، بين القيم الدينية المعلنة والممارسات الواقعية.. حيث يزعم رجال الدين في المملكة إنهم يتمسكون بمنهج السلف الصالح، بينما هم يشرعون لما يخالف هذا النهج؛ مساندة للسلطة القائمة، ويحافظون على الطابع القبلي للمجتمع، رغم أن القرآن جاء ليطور المجتمع ويقضي على هذه الظواهر”.

بالطبع فإن التخوف المعلن للمتشددين في البقاع المقدسة- هو الخشية من أن يقصد الناس هذه الأماكن للتبرك؛ فيقعوا في الشرك، أو أن تلهيهم هذه الأماكن عن ذكر الله.. لكن هؤلاء المتشددين لا يرون في مطاعم الاسباجيتي والهوت دوج ذات اللافتات الضخمة والإعلانات المضيئة المنتشرة في المدينة المقدسة أي خطر على الحالة الإيمانية التي يجب أن يكون عليها ضيوف الرحمن.

كما أن هؤلاء يغضون الطرف عن الأحاديث والآثار التي تحذر من التطاول في البنيان، ومثل ما ورد عن عبد الله بن عمرو إذ قال”إِذَا رَأَيْتَ الْبِنَاءَ ارْتَفَعَ إِلَى أَبِي قُبَيْسٍ, وَجَرَى الْمَاءُ فِي الْوَادِي؛ فَخُذْ حِذْرَكَ” وقوله “إِذَا رَأَيْتَ مَكَّةَ قَدْ بُعِجَتْ كِظَامًا وَرَأَيْتَ الْبِنَاءَ قَدْ عَلا عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ، فَاعْلَمْ أَنَّ الأَمْرَ قَدْ أَظَلَّكَ).. وبالقطع فإن ذلك الإغضاء مفهوم تماما إذ يأتي في إطار طاعة ولي الأمر!

في سبتمبر الجاري نشرت “نيويورك تايمز” تقريرا بعنوان ” تدمير مكة” جاء فيه أن برج الساعة الملكي الذي بدأ العمل فيه 2012، قد قام على أنقاض 400 موقع من المواقع ذات الأهمية الثقافية والتاريخية، منها قلعة “أجياد” التي بناها العثمانيون لحماية مكة عام 1780، ويذكر التقرير أن النواة الداخلية للمسجد الحرام تحتوي على عدد من الأعمدة الرخامية المنحوتة على نحو بالغ الدقةوالروعة، ومكتوب عليها أسماء بعض الصحابة.. ويعود تاريخها إلى مطلع القرن السادس عشر- أن هناك خطط لهدمها لتوسعة المناطق الداخلية من الحرم وإقامة مبان عصرية.

ويؤكد التقرير أن زيارة المدينة المقدسة صار رحلة للتسوق تتخللها ممارسة بعض الطقوس، وأن العزل بين المجموعات صار واضحا لتفقد الشعائر أهم أهدافها وهو التقاء المؤمنين من شتى بقاع الأرض واجتماعهم في أكثر الأماكن قداسة بالنسبة لهم.

ويشير الدكتور على عبد الرؤوف في كتابه ” من مكة إلى لاس فيجاس” إلى أن المدينة المقدسة قد سقطت في براثن الرأسمالية المادية الباردة بشكل متعمد رغم وجود بدائل عديدة كان من الممكن أن تحفظ للمدينة قدسيتها، وتستوعب متطلبات التطوير والتوسعة المطلوبة لتيسير أعمال الحج والعمرة مع تضاعف الأعداد.. ويضيف د. عبد الرؤوف أن ما حدث في مكة لم تعرفه المدن المقدسة في أي مكان في العالم، وكأن الهدف أن تتحول المدينة المقدسة إلى مدينة منزوعة القداسة تنافس في فخامة مبانيها، وبهرجها “لاس فيجاس” الأمريكية.. ويطرح الكاتب رؤيته بوصفه معماريا يحاول فهم الأنماط الجديدة في العمران التي تغزو المدن القديمة خاصة المقدسة منها.. فيؤكد على أن تلك الأنماط تقيم جدلية مع البيئة الطبيعية والإنسانية وعلى هذا الأساس يمكن قياس مدى توافق هذا النمط أو ذاك مع البيئة.. ويتوصل الكاتب إلى أن درجة القبول البيئي في هذه الحالة بالغة التدني في مقابل عوامل الرافض الواضحة والقاطعة في آن.

يصف الحاج نور الدين الإندونيسي تلك المشاهد الصادمة التي عاينها بحزن شديد أثناء زيارته للمدينة المقدسة عام 2010، فيقول” لم أكن أتخيل أن تتحول مكة إلى مضمار للتسابق في الجشع البشري في بناء الأبراج.. إن المؤمن لا يستطيع أن يغفل ما ينبّئه به قلبه أن الوادي الأمين الذي انبعث منه النور للإنسانية قد اختفى إلى الأبد تحت هذه الكتل الخرسانية بالغة القبح.. فليسامحني الله إذا حملت كلماتي أي قدر من الإساءة لكن قلبي ينزف ألما”.. هكذا أنهى الحاج شهادته.