مشروع فدرالية شمال سوريا.. تحرك كردي مدعوم أمريكيا

يشهد اليوم أول خطوة فعلية مفترَضة لتأسيس ما يُطلق عليه “فدرالية شمال سوريا”، حيث ستقام في المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديموقراطية المدعومة والمُشغّلة أمريكيا، والمكوّن أغلبها من وحدات حماية الشعب الكردي الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديموقراطي، انتخابات للوحدات الإدارية الأصغر أي مجالس الأحياء، المستوى الأول من النظام السياسي الناتج عن مشروع فدرالية شمال سوريا، التي اُقِر لها في يوليو الماضي تقسيما إداريا مكوّنا من أقاليم ثلاثة ومقاطعات ستة، وقوانين انتخاب لثلاثة مستويات من السلطة تبدأ من الوحدات الأصغر وصولا إلى المؤتمر العام، كما حُدد وقتها نوفمبر القادم لإجراء انتخابات المستوى الأوسط أي الإدارات المحلية والبلدات والمقاطعات، التي ستشكل ما يسمونه “مجلس شعوب الإقليم”، ويناير من العام القادم لانتخابات المجلس الأعلى ومُسمّاه “مؤتمر الشعوب الديموقراطية”.

التقسيم الإداري لمشروع الفدرالية مكوّن من 3 أقاليم هي: الجزيرة، ويضم محافظة الحسكة السورية كاملةً، والفرات ويضم مدينة عين العرب شماليّ محافظة حلب وتل أبيض شماليّ الرقة، وعفرين شماليّ حلب ويضم مدينتيّ عفرين والشهباء، ويترقب ما يطلَق عليه “المجلس التأسيسي للفدرالية الديمقراطية لشمال سوريا” تصفية الجيب الداعشي الأخير لداعش في مدينة الرقة، مركز محافظة الرقة، للنظر بشأن انضمامها وكامل القطاع الشمالي منها الواقع تحت سيطرة قوات سوريا الديموقراطية، إذ تَشكّل بالفعل في إبريل الماضي، من طرف الولايات المتحدة والأكراد، ما يُسمى “مجلس الرقة المدني” ذي العضوية الكردية المصاحبة لأخرى “عربية سنّية معتدلة” وفق التعبير الرسمي الأمريكي وقتها، لإدارة شؤون المحافظة واستلام حكمها من القوات الكردية بعد إنهاء الوجود الداعشي فيها، ويرتكز المجلس في عين عيسى، أحد المرتكزات الكردية التقليدية في الرقة، جنبا إلى جنب مع المقر الجديد للقيادة العامة لقوات سوريا الديموقراطية، المصاحبة لحضور عسكري أمريكي بارز، يُعَد نتيجة طبيعية لدعم كثيف من الولايات المتحدة لحزب الاتحاد الديموقراطي الكردي، ومكمّلا استراتيجيا للقواعد الأمريكية الستة في محافظة الحسكة أقصى شمال الشرق السوري.

ووفقا لما يُطلق عليه الهيئة التنفيذية لفدرالية شمال سوريا يسكن الأراضي التي تسيطر عليها قوات سوريا الديموقراطية 3 مليون مواطن سوري، يمثّل الأكراد نسبة 50% منهم ويمثل العرب 45% وتنتمي للنسبة الباقية أقليات عرقية أخرى، كما أقرّ الاجتماع التأسيسي أن العرب من أهل تلك المناطق، يُطلق عليهم “عرب الغمر”، لا يحق لهم المشاركة في انتخابات الأقاليم والبرلمان لحين تسوية أوضاعهم، بينما يشاركون بانتخابات البلديات ومجالس الأحياء في مناطقهم فقط، دون أن توضَح كيفية تسوية أوضاعهم تمهيدا لمشاركتهم في حكم أنفسهم كما تقتضي القواعد البديهية للنظم الديموقراطية التمثيلية.

لا تعود قصة إنشاء قوات سوريا الديموقراطية مع الولايات المتحدة إلى عام 2015 حين تم تشكيلها بتنظيم وتسليح أمريكييَن مباشرَين، بل إلى شهر أكتوبر من عام 2014 حين شرعت إدارة اوباما في إمداد وحدات حماية الشعب الكردي، التي تشكل حاليا اكثر من 60% من قوات سوريا الديموقراطية، بالأسلحة والذخائر تحت عنوان محاربة داعش وإزاحته بعيدًا عن المناطق ذات الأغلبية الكردية في الشمال السوري، بموازاة اجتماعات بين ممثل شخصي عن أوباما يدعى بريت ماكفورك، بصالح مسلم زعيم حزب الاتحاد الديموقراطي في عين العرب، مما ساهم كثيرا في الإستدارة التركية اللاحقة عن المعسكر الأمريكي السعودي القطري في سوريا، وذهاب تركيا إلى تفاهم مع روسيا وسوريا نحو حل سياسي للحرب السورية، مع محاولات لاحقة مستمرة لمنع قيام كيان كردي على الحدود التركية الجنوبية، شماليّ سوريا، كانت أبرزها عملية درع الفرات العسكرية، التي استطاعت خلالها تركيا فصل مرتكزيّ منبج وعفرين الكردييَن، شمال شرق وشمال غرب حلب، عن بعضهما البعض، وكانا يشكلان مساحة سيطرة واحدة مع مدينة الباب جنوبا، وإقامة جيب عازل كفل شقّ تلك المساحة وتسيطر عليه قوات درع الفرات التركية بالتنسيق مع الجيش التركي، وتثبيت موطئ قدم في الداخل السوري في محيط مدينة الباب ذات الأهمية الاستراتيجية، وعلى هذا تم إجهاض إقامة كتلة جغرافية وسياسية كردية شماليّ حلب.

من الحسكة إلى ريف الرقة الشمالي إلى ريف حلب الشمالي ينتشر الحضور العسكري والإستخباري الأمريكي، مع إشراف أمريكي على الانتخابات وسلسلة لا تنقطع من اللقائات التنسيقية جرت في عين عيسى، شمال الرقة، بين قيادات قوات سوريا الديموقراطية والمجلس المدني للرقة مع مسؤولين أمريكيين، وعلى الجانب الآخر من الحدود تحشد تركيا قواتها ترقّبا لأي خطوة كردية ترى فيها تجاوزا للخطوط التركية الحمراء، والتي يبدو أنه يتم تجاوزها كرديا شيئا فشيئا تحت غطاء أمريكي يمنع عمليا أي تحرك تركي خشن للتعامل مع الموقف.