محمد عبده والإصلاح الاجتماعي.. رؤية في بناء الأسرة (1)

في جهوده للإصلاح الاجتماعي، يقدم الإمام محمد عبده رؤية جريئة، وأفكارا متقدمة جدا، تشتبك مع ما هو سائد ومستقر، حول نظام الأسرة، وطبيعة عقد الزواج، وضرورة التعارف بين الزوجين، وتعديد الزوجات.. رؤى ربما يرفضها تيار الجمود والتقليد في عصرنا اليوم، فكيف بها من أكثر من 120 عاما؟

يرفض محمد عبده تعريف “الزواج” السائد في كتب الفقه (عقد يملك به الرجل بُضع المرأة)، معتبرا أن هذا التعريف يقصر العلاقة بين الزوجين على الشهوة الجنسية، مع تجاهل تام للواجبات الأدبية، والتراحم والمودة التي هي أساس بناء البيت والأسرة.. ويقول الإمام: “وقد رأيت في القرآن الشريف كلاما ينطبق على الزواج، ويصح أن يكون تعريفا له، ولا أعلم أن شريعة من الشرائع وصلت أقصى درجات التمدن جاءت بأحسن منه.. قال تعالى: “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة..”، ويعلق الإمام: والذي يقارن بين التعريف الأول الذي فاض من علم الفقهاء علينا والتعريف الثاني الذي نزل من عند الله، يرى بنفسه إلى أي درجة وصل انحطاط المرأة في رأي فقهائنا وسرى منهم إلى عامة المسلمين”.

ومن الواضح أن الأستاذ الإمام يقدم الاعتبارات الإنسانية، والرباط الوجداني، على التعريفات الفقهية الجافة والضيقة، وهو في موقفه يستند إلى القرآن، فيرى أن آية سورة الروم عن المودة والرحمة والسكن، تمثل تعريفا أرقى وأبقى.
ويتصدى محمد عبده لما كان سائدا من إهمال التعارف بين الرجل والمرأة قبل إتمام الزواج، أو الاكتفاء برؤية سريعة لا يمكن من خلالها تكوين رأي سليم بالارتباط الدائم، فيتساءل مستنكرا: كيف يمكن لرجل وامرأة سليمي العقل قبل أن يتعارفا أن يرتبطا بعقد يلزمهما أن يعيشا معا، وأن يختلطا كمال الاختلاط.. ثم يضيف ساخرا: أرى الواحد من عامة الناس يرفض أن يشتري خروفا أو جحشا قبل أن يراه ويدقق النظر في أوصافه ويكون آمنا من ظهور عيب فيه، وهذا الإنسان العاقل نفسه يقدم على الزواج بخفة وطيش يحار أمامها الفكر”.

ويقطع محمد عبده الطريق على من يدعون أن رؤية سريعة للوجه كافية لقبول أو رفض الزوج أو الزوجه، ويؤكد على ضرورة التعارف الحي النابض، واطلاع كل طرف على طرائق تفكير الطرف الآخر، ويحدد موقفه من التعارف القائم على رؤية سريعة بكلام قاطع واضح إذ يقول: لعلك تقول إن المرأة ترى خطيبها من الشباك مرارا، وإن الرجل يعرف بواسطة أمه أو أخته أوصاف خطيبته، مثل سواد شعرها وبياض خدودها وضيق فمها واعتدال قوامها ورزانة عقلها، وما أشبه ذلك… فنقول، كل هذه الصفات متفرقة لا تفيد صورة ما، ولا يمكن أن ينبعث عنها ميل إلى طلبها لتكون عشيرة تطمئن إلى صحبتها النفوس، وتتعلق بها وبنسلها الآمال، وإنما الذي يهم الإنسان البصير هو أن يرى بنفسه خَلقا يفتكر ويتكلم ويفعل، خَلقا يجمع من الشمائل والصفات ما يلائم ذوقه ويتفق مع رغباته وعواطفه”.

ويشدد الأستاذ الإمام على ضرورة التوافق العقلي والروحي، وهو ما لا يتأتى في رأيه بنظر سريع عابر، ولا يحصل إلا باختلاط كاف، فيقول: على أن الانجذاب المادي ليس كافيا في الزواج، بل يلزم أيضا أن يوجد توافق بين الزوجين، وائتلاف بين ملكاتهما وأخلاقهما وعقولهما، ولا تتأتى معرفة وجود هذا التوافق وعدمه إلا إذا خالط كل منهما صاحبه ولو قليلا.

ويرد محمد عبده وهن الروابط الأسرية وسرعة انحلالها إلى إهمال شرط التعارف الكافي والتوافق المطلوب بين الزوجين.. ثم يؤكد أن للنساء نفس الحقوق في اختيار أزواجهن، ويرفض ما كان سائدا من إهمال رأي الفتاة في خطيبها.. فيقول في حسم: وكل ذي ذوق سليم يرى من الصواب أن يكون للمرأة في انتخاب زوجها ما للرجل في انتخاب زوجته، فإنه أمر يهمها أكثر مما يهم ذوي قرابتها.
بل إن الأستاذ الإمام يذهب إلى ما هو أبعد من التعارف بين الرجل والمرأة أو مجرد ميل كل منهما للآخر، فيقرر أنه من الضروري أن تبنى العلاقات الزوجية على الحب، معتبرا أن هذا المعنى السامي يكون سببا قويا يعين الزوجين على مواجهة منغصات الحياة وعقباتها المادية، فيقول: انظر إلى زوجين متحابين، تجدهما من اليوم في نعيم الجنة.. ماذا يهمهما أن يكون الصندوق خاليا من المال أو أن يكون على المائدة عدس وبصل؟.. أما يكفيهما فرح القلب في كل دقيقة تمر من اليوم.. هذا الفرح الذي يبعث النشاط في الجسم والطمئنينة في النفس، ويحيي في القلب شعورا بلذة الحياة، ويزينها ويخفف ثقلها.

وجلي أن الإمام الكبير كان يجنح إلى قيم إنسانية، يراها لا تتعارض مع حقيقة الدين وروحه، وأن بدت متعارضة مع كلام القدماء واصطلاحات الفقهاء وتعقيدات المفسرين.. وهو بهذا يقدم رؤية إنسانية متقدمة للعلاقات الأسرية، ربما كنا بحاجة إليها اليوم، بعد أن امتلأت ساحاتنا بهواة التنطع وأعداء كل جميل.