مأزق البيت الأبيض.. لماذا لا توجد استراتيجية واحدة تجاه إيران؟

ربما ليس من المألوف على الأقل بالشكل الذي اتخذه الأمر وأهميته وتوقيته، أن تصرّح مصادر أمريكية نافذة إلى رويترز بأن فريقًا من رموز السلطة وصناعة السياسة الخارجية في البلاد تقدم بمشروع رؤية استراتيجية للتعامل مع إيران إلى الرئيس ترامب، إذ قالت الوكالة إن 6 مصادر رفيعة الشأن، مسؤولين حاليين وسابقين، فصّلوا لها الخطوط العريضة للتصور الذي قُدِّم للرئيس من وزيري الخارجية والدفاع ومستشار الأمن القومي، وشارك في صياغته طيف واسع من المسؤولين وذوي الخبرة.

الخروجعن المألوف نسبيًّا وأيضًا رفض البيت الأبيض التعليق على النبأ يدلان إما على أن الفريق المتقدِم بالاقتراح يضغط على الرئيس الذي اتضح انعدام قدرته على التعاطي بكفاءة مع ملف السياسة الخارجية، بجانب الغياب الموضوعي لاستراتيجية “واحدة” وواضحة ومتماسكة تجاه إيران داخل الإدارة الأمريكية حتى الآن، أو على أن التصريح (التسريب) رسالة إلى إيران مفادها الترهيب، في لعبة سياسية ومعنوية يتقنها الأمريكي مُستقاة من لهجته، وتتقنها الأطراف النافذة على الساحة الدولية، هي “good cup bad cup“، وتفيد في هذه الحالة فتح باب الاختيار للطرف الإيراني بأن ثمة اتجاهًا داخل الإدارة للتعامل بعقلانية وآخر للتعامل بعنف، وعليه أن يسجّل تراجعًا نسبيًّا أو شكلاً من التهدئة والانفتاح دعمًا للاتجاه العقلاني، وبدلاً من الوصول إلى تصعيد ومن ثم صدام من المفترَض، أي هكذا على الإيراني أن يفهم وفقًا لهذا الاحتمال، أن مؤسسة الرئاسة الأمريكية تريده وتصر عليه.

الرؤية، وفق قول المصادر، أول أهدافها الأساسية إقناع الرئيس بعدم إلغاء إتفاق 5+1 المَعني بالشأن النووي الإيراني، وهو الإجراء الذي قالت المصادر إن ترامب “يشعر” بشدة بوجوب القيام به بالتوازي مع سلوك “أكثر عدوانية” تجاه إيران، وتشجعه على ذلك مندوبة البلاد في الأمم المتحدة نيكي هالي، ومن ثم انصبت الرؤية المقترحة على تثبيت الحفاظ على الاتفاق مع الجنوح عن بعض المسائل فيه.

تطرح الرؤية المقترحة الانتقال من حالة التعليمات التفصيلية، التي تحددت لدوائر الإدارة الأمريكية بخصوص الشأن الإيراني والتعامل معه على عهد أوباما، إلى وضع إطار عام واسع يُترَك تحقيقه لمسؤولي وموظفي الإدارات الفرعية المختلفة، وتنص الرؤية على فرض عقوبات أكثر قسوة لدى قيام إيران بأدنى خرق للاتفاق النووي، مع التعامل بخشونة ومبادرة حال تعرض زوارق الحرس الثوري الإيراني للبحرية الأمريكية في المحيط البحري والساحلي لإيران، مع التركيز على مزيد من الضغط عليها في ملفات ثلاثة: تقنيات الصواريخ الباليستية والاقتصاد والعمليات المالية ودعم جماعات غير إيرانية خارجها، وحول الملف الأخير تطرح الرؤية عدم التعرض عسكريًّا للأطراف الحليفة لإيران في سوريا؛ لأن ذلك سيعقد الامور كثيرًا، وقد يكفل المزيد من نقاط القوة لهؤلاء الحلفاء ولإيران.

من قبل عهد أوباما، أجمعت أهم المراكز البحثية ومعاهد التفكير الاستراتيجي الكبرى في الولايات المتحدة على حقيقة أن “الإطار الأيديولوجي” للسياسة الخارجية الإيرانية هو ما يكفل لها الاستمرارية والصمود في وجه الضغوط، على تنوعها الفائق، إذ يُعَد الإطار نفسه ضامنًا للدور الإقليمي لإيران وللاستقرار الداخلي للبلاد كذلك، وغالبًا ما مثّل هذا الإجماع مسوغًا منطقيًّا للسياسات الأمريكية تجاه إيران في العهد المذكور، إذ ارتكزت على تصعيد “أيديولوجية مضادة”، من فوق موجة الربيع العربي الكبيرة بالشراكة مع الإخوان المسلمين حلفاء إدارة أوباما، رأى الأمريكيون في براجماتيتها وما تتمتع به من مرونة ورغبة في الشراكة تجاه السياسات والمشاريع الأمريكية فرصة قد لا تتكرر لإيجاد حلفاء جدد في الشرق الأوسط، يحققون التغيير الأمريكي المطلوب في المنطقة العربية وبسقف ونوعية أعمق للتبعية، وصولاً إلى دعم عملي للنسخة الأكثر تطرفًا ووحشية من تلك الأيديولوجية، أي داعش، بالشراكة الكاملة مع كيان ذي إطار أيديولوجي مضاد لنظيره الإيراني وجاهز بالفعل، أي مملكة آل سعود والبناء الفكري للوهابية، حتى تأتي أمريكا ومعها الغرب في نهاية الأمر لحل “الأزمة المدمرة اللاإنسانية” في المنطقة بالاحتلال ثم إعادة الإعمار طبعًا، والحقيقة أن مجمل المشروع، عمليًّا لم يثمر سوى تصليب الإطار الأيديولوجي الذي يتحدث عنه الأمريكيون، لتبدأ رؤاهم في التحول، بتردد إلى زاوية مختلفة لمقاربة المسألة.

بوصول ترامب إلى مقعد السلطة كانت مياه كثيرة قد جرت في الشرق الأوسط والمنطقة العربية، وتراكمت عوامل الصعود الإيراني وصولاً إلى توقيع الاتفاق النووي مع إيران، والذي وصفه ترامب بالصفقة الأسوأ في التاريخ السياسي لأمريكا، والذي كان توقيعه تتويجًا لعجز موضوعي غربي عن منع إيران عما تهدف إليه في ملف الطاقة النووية، وأيضًا لفشل مشروع تغيير المجال الحيوي الجيوسياسي لإيران، وعلى الأغلب لم يدرك ترامب وقت ترشحه، وإن بدأ في إدراك ذلك مؤخرًا، أن ما توصلت إليه بيوت الخبرة ومراكز الأبحاث، وطرحته على إدارته منذ اليوم الأول، حول عدم فاعلية العقوبات والحصار والضغط والمحاصرة، لم يكن انطباعًا ذهنيًا بقدر ما كان أمرًا واقعًا يعبّر عن تراكم لتغيرات نوعية في الداخل والمحيط الإيراني، راقبت تلك المراكز، مثلاً، كيف كان الحصار الاقتصادي والتجاري العامل الأكثر فاعلية في تكثيف العمل وتطوير القدرات في إيران بخصوص الغاز الطبيعي الذي تمتلك منه البلاد احتياطات هائلة، وكيف أن وقوع إيران خارج منظومة العولمة الاقتصادية نسبيًّا، والذي دفعت العقوبات في اتجاهه لا العكس، قد أثمر المزيد من الاعتمادية الإقتصادية على الذات، بل وأثمر استقلالية متزايدة في القرار السياسي وحرية التحرك العسكري كما اتضح في الحرب السورية ورد الفعل على احتلال داعش لقطاع ضخم من أراضي العراق، من هنا يمكن أن نفهم السبب في الإجماع الجديد، نسبيًّا، لدى الخبراء والمفكرين الاستراتيجيين في واشنطن على الأولوية المطلقة لـ”تصفية” داعش، التي يرى هؤلاء الآن أنها كانت إحدى كلمات السر في تعاظُم القوة الإيرانية وانطلاقها من حالة كُمون مرن وانكماش ممانِع إلى حالة مبادرة وفاعلية وحَرَكية إيجابية، هي كابوس حالي لواضعي سياسات الحفاظ على المصالح الأمريكية في المنطقة.

في المشهد الحالي تعبير عن ارتباك كبير في واشنطن، يوازيه التراجع تلو الآخر في القدرة الأمريكية، بدءًا من النفوذ السياسي في الشرق الأوسط وصولاً إلى ضعف أداء القوات البحرية، اليد الطولى الأمريكية عمليًّا، لدرجة فقدان إحدى حاملات الطائرات العملاقة طريقها نحو كوريا لتجد نفسها في محيط أستراليا، فضلاً عن الديون الضخمة، أكثر من 20 تريليون دولار، والعجز في الميزان التجاري مع الصين الصاعدة والممتد نفوذها ومعها روسيا على حساب الولايات المتحدة، ومع مئات من الأوراق البحثية ومذكرات التحليل والبيانات لم تفلح إدارة ترامب، حتى الآن، في بلورة استراتيجية متماسكة واحدة تجاه إيران لإضعافها وتركيعها، بعد أن فشلت في ذلك حزمة المساهمة في إسقاط الدولة السورية وخلق داعش وتصعيد الإرهاب الديني، وتفكيك العراق نهائيًّا، كما يفشل حاليًّا “التركيز” على إخفاء وتصفية داعش لكبح التمدد الإيراني والروسي، على اعتبار أن وجودها وانتشارها أحد جذور هذا التمدد، مع تصعيد وكلاء آخرين “معتدلين” من الوهابيين والأكراد، وترجع المرحلتان من الفشل، في المقام الأول، إلى الاشتباه وغياب الدقة في التوصيف بخصوص نقاط القوة لدى إيران بوضع الصلابة الأيديولوجية كموطن رئيسي للقوة هناك، ومن هنا، مثلاً، كثيرًا ما راهن الأمريكيون على استقطاب “جذريين – معتدلين” في الداخل الإيراني؛ كونه قد يكفل التغيير المنشود لهم، وهو ما لم يحدث، والحقيقة أنه لن يحدث؛ إذ تقع المسألة برمتها في مجال التشكيلة الاجتماعية هناك، والتي شهدت إعادة بلورة منذ 1979، كما يتعلق الأمر بالإطار التنظيمي والهيكل الإداري لبنية الدولة ذاتها ومؤسساتها وقاعدتها الشعبية بالمعنى الواسع، وليس فقط “النظام” على أهميته ودوره الناظم والفاعل.

الخلاصة

أولاً: يستحيل التعويل على تغير “جوهري” في السياسة الإيرانية من خارجها، انطلاقًا من الإطار العالمي الحالي في ظل ضعف وعجز أمريكييَن مع صعود صيني وروسي، أو انطلاقًا من الإطار الإقليمي في سوريا والعراق، مع بقاء احتمال ضعيف ومستبعَد لاستخدام الأكراد بهذا الشأن، ترجع الاستحالة إلى تمثيل تلك السياسات، المطلوب تغييرها، لمصالح مجمل البنية الاجتماعية هناك إلى حد كبير وكافٍ، مصالح تدرك تلك البنية تعلقها بالدور الإقليمي للبلاد في ظل إحاطة الأساطيل والطائرات الأمريكية بها من جميع الاتجاهات الجغرافية الأربعة، من هنا أي تغير جوهري مماثل فهو يرتبط تاريخيًّا، أصلاً، بتجاوز البلاد لوضعية الحصار والتعرض للتآمر نحو وضع أكثر طبيعية تلعب فيه دورًا يتناسب تلقائيًّا مع حجمها السكاني والاقتصادي والسياسي والحضاري، وليس بمنعها من ذلك، مع نجاح الإيرانيين في إقامة مؤسسة حاكمة “عامة” تضمن صلابة إطار عملي بمحددات سياسية غير قابلة للتغير، مع قابلية النقاط الفرعية والثانوية لذلك داخل الإطار، في نموذج يشبه، إلى حد ومن زاوية ما، نموذج الدولة الأمريكية نفسه.

ثانيًا: تتمتع الدولة الإيرانية ببراجماتية عالية وتوجه نفعي، داخل إطار سياسي واحد، أخذا منحنى صاعدًا منذ قيام الثورة إلى الآن، وكفلا لها ليس فقط التكيف مع المحاذير والضغوط العالمية، بل أيضًا تنويع خياراتها وتعظيم مصالحها بالتعامل الاقتصادي والتجاري مع أطراف لا يمكن سوى اعتبارها في موقع العدو وفقًا لوضع إيران السياسي، ورغم ذلك يتم العمل معها بأقصى قدر من المكاسب على أرضية المصالح المادية المشتركة، مع إقامة منطقة رمادية في السياسة مع تلك الأطراف، تحفظ لإيران تموضعها السياسي الأكثر عمومية وجذرية في آن واحد، وفقًا لبرنامج أولويات يحظى بإجماع كامل، شعبيًّا وإداريًّا، ويراعي تجاوُز التناقضات الثانوية لصالح التناقضات الرئيسية وحدود كل ملف، في السياسة والاقتصاد، وحجمه وموقعه من الاهتمام والنقاط المشتركة وغير المشتركة، كالعلاقات الاقتصادية والتجارية مع قطر والإمارات وتركيا.

ثالثًا: إن تعاظم وتمدد القدرات العسكرية الإيرانية، تحديدًا، جاء كاستجابة طبيعية لتحديات جيوسياسية كبرى، منها ما قام على الحدود الملاصقة للبلاد منذ عام 2003 ومن قبله أيضًا، بعد ما سُمي بـ”تحرير الكويت” وارتكاز ترسانة أمريكية مسلحة في قلب الشرق الأوسط، وشمل ذلك، أيضًا، عمل تركيا مع الناتو وانفتاحها العملي على الكيان الصهيوني، ومن ثم لا يُعَد نفي داعش واختفاؤها النقطة الأهم، على الأقل بعد انقضاء عام 2015، بل ترتبط القدرات العسكرية تلك بالحضور العسكري الغربي الدائم في المنطقة وما يمثله من تهديد، كما ترتبط كذلك بتطور القدرات العسكرية لحلفاء إيران السياسيين، على رأسهم روسيا، وبوجود تهديد دائم ثانٍ، مناظر للقواعد العسكرية الأمريكية في الخليج ومتصاعد بلا توقف، هو الكيان الصهيوني، أخطر وأقدم القواعد والنقاط العسكرية المتقدمة جغرافيًّا وسياسيًّا للغرب الاستعماري في المنطقة.