“ليس بتحية العلم وحدها.. تحيا مصر 3 مرات”!

ليس مطلوباً منك في “أد الدنيا” أن تفهم أو تقتنع بل عليك فقط أن تنفذ وتُطيع.. فالغيبيات وما وراء الأشياء هي أمور لا يدركها إلا الزعماء المخلصون، ومَلكة لا يحظي بها سوي الأتقياء والصّدٍيقين.

وضعت هذه العبارة السابقة بالتوازي أمام كل الاستفهامات التي صاحبت قرار أحد وزراء “سكرتارية الرئيس” بوجوب التبكير بتحية العلم في الجامعات، فوجدت أنه عبثاً ما يسألون، وعبثاً أن يغضب البعض لفشله في العثور علي إجابة تُريحه وتُرضي عقله.. وانتهيت إلي اعتبار هذا الجدل عقيماً، فلاُولي الأمر بصائر ورؤي غير مصروفاً لنا نحن العامة مثلها.

بالتأكيد، سادتنا ممن يسكنون ذلك القصر البعيد درسوا هذا القرار وقلبوه وتفحصوه جيداً، فلا شيء عشوائياً في بلادنا ولا قرارات تؤخذ اعتباطاً.. وحتماً الفوائد الطبية والنفسية والذهنية للقرار أضعاف ما نتخيل، وستعمل علي رفع منسوب الوطنية المتدني لدي “نور عينيه”، حتي يضاهي أو يقترب من منسوب وطنية الرئيس المستعد لأن “يتباع” فداء لهذا الوطن.

كأي قرار عظيم وتاريخي، فُتحت الأبواب لبعض المغرضين لكي يشككوا ويتساءلوا عن جدواه، كما رددوا كلمات جافة وجوفاء عن ضرورة أن يتعلم أولادنا خصال أخري أكثر أهمية من تحية العلم.. فهناك وطنية التمسك بالأرض وليس التفريط فيها، ووطنية التشارك في البلد وليس الاستئثار به، ووطنية البوح بالحق وليس إدمان التضليل والنفاق، ووطنية الاعتراف بالخطأ بدلاً من المكابرة والتعالي والتمادي فيه.

لم أشعر بـ”عجز الفاشل” وأنا أسمع كل هذا الهراء، وما اهتممت بالرد علي هؤلاء رغبة في إحراجهم وإفحامهم بل دفاعاً عما أعلمه عن براءة السلطة وحسن نوايها.. فالنظام السياسي في مصر يمضي عن قناعة انطلاقاً من أمثال دارجة كـ”صيت الوطنية ولا غناها” و”عيار الوطنية اللي ميصيبش يدوش”.. وبالتالي لا شيء يمكنه أن يعوض إحساسك بـ”نقص الوطنية” إلا إذا استيقظت صباح كل يوم وعلي لسانك جملة واحدة ترددها وهي: “أنا مش خاين وعميل.. أنا وطني جداً وبعرف أحيي العلم”.

قطعاً تحسبني أسخر منك وأهذي، ولكن صدقني لم تعد للسخرية مكان وسط هذا الكم الهائل من الترهات.. فليس كل من حيا العلم محباً وليس كل من تركه نذلاً وخائناً، ولا داعي لتذكرة السلطة الغافلة بأن الشعور بالانتماء للوطن لا يُرسخ بالشعارات والأغاني وترديد “تحيا مصر 3 مرات”، بل يستند في الأصل علي مقدار ما ننعم في الوطن بالكفاية والأمان والاهتمام ومدي مشاركتنا في بنائه.

يبدو الهجوم وانتقاد قرار “تحية العلم” لا يستحق كل هذا الضجيج.. فكثيرون سيتهمونك بالانسياق وراء التفاهات ونسيان ما هو أهم وأعظم كمحاربة الفساد وتدهور الاقتصاد والتآمر علي مصر.. كثيرون سيلومونك لأنك أضعت الكثير من وقتك ووقتهم في ثانويات كان يمكن تجاهلها والتغافل عنها.. وسينبهونك حتماً بأن القادم أخطر وبأن المخلصين للوطن ندرة إذا ما قورنوا بجسامة وقسوة التحديات.

القرار الأخير هو دلالة علي مستوي العقول الفارغة التي تُدير الوطن، وهو ليس ببعيد عن القرارات الجهنمية مثل “صبح علي مصر بجنيه” و”هاتوا لي الفكة” و”اللي عايز حاجة يحط ايده في جيبه ويدفع”.. كما أنه ليس خارج سياق سياسات السلطة الحاكمة التي اعتادت طوال الوقت علي تدوير فزاعات “المؤامرة الكونية” و”إسقاط الدولة” وإلقاء تهم التخوين والعمالة علي كل من لا يُسبح بحمد وعظمة قرارات فخامة الرئيس.

لا نحتاج إلي “تحية العلم” في مدارسنا وجامعاتنا لنتعلم منها الوطنية، بل نحتاج إلي تعليم جيد غير موجه لنتعلم كيف نتصرف ونُحسن الاختيار.. نحتاج لتعلم احترام القانون وألا نُسخره أو نتلاعب به يوماً لحساب أغراضنا وأهواءنا.. نحتاج لحرية أوسع حتي نتمكن من ردع المخطئ ومحاسبته دون مخاوف من التنكيل والاعتقال.. نحتاج إلي سلطة تخدمنا لا أن نكون نحن خداماً لدي أصحاب القرار.. نحتاج إلي وطن يسعنا جميعاً بلا فوارق ولا تمييز ولا اضطهاد.. نحتاج لأن نشعر بآدميتنا التي تُهدر كل يوم تحت وطأة العوز ونعال الكبار.. ونخشي يوماً أن ينتهي بنا الحال إلي أن نصبح محاصرين بين خيارين مريرين، فإما الانتحار أو حلم الفرار.

يا سادة.. “وطنية العلم” هي وطنية تصلح فقط للبلهاء، أما وطنيتنا فراسخة في الوجدان منذ ولدنا وستبقي كما هي حتي الممات.. واقتبس هنا قولاً للأديب البريطاني صمويل جونسون يختصر حال هؤلاء الذين يتمسكون بوطنيات فارغة وحمقاء، حيث قال عبارته الشهيرة والموحية: “الوطنية هي الملاذ الأخير لكل نذل”!.