للذكر مثل حظ الأنثى!

لماذا لا نساوي بين الرجل والمرأة في الميراث؟ وفي باقي نواحي الحياة؟
ضجت مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا بالكثير من الصخب والجدل بسبب التعديلات الأخيرة التي أعلنها الرئيس التونسي في مسألة المواريث، وتأييد ديوان الإفتاء لذلك. وقد تناول الكثيرون هذه التغييرات من وجهات نظر متنوعة، سياسية واجتماعية ودينية، وغير ذلك، لكن دعونا نحاول هنا تناول الأمر من منظور فلسفي!

هل الحل يكمن في المساواة؟
لطالما كان الاتجاه الليبرالي شغوفًا بالمساواة، فهي مع الحرية يمثلان أهم ركائزه، ابتداءً من “جون لوك” ومرورًا بـ “جون ستيورت ميل” وانتهاء بالحركات الليبرالية المنتشرة في عالمنا اليوم، لكن مطالبة الليبراليين بالحرية والمساواة ليست بدعة فلسفية، فنظام الحرية والمساواة من الأنظمة القديمة في الفلسفة السياسية، والذي تناوله الفكر الفلسفي بالتحليل والتأمل منذ اليونان القديمة. فما هي أهم ملامح هذا النظام؟

هو نظام قائم ببساطة على حرية كل فرد في فعل ما يريد، ولأن كل فرد إنسان حر، إذن فالجميع متساوون، ولأن كل فرد حر ومساوي لغيره فلا يوجد ترجيح لفرد عن آخر في مسألة الحكم، وبالتالي يجب أن يشترك الجميع في الحكم، فالحكم إذن للجميع أو للشعب، وهذه هي الديمقراطية.

لكن كل فرد من الشعب له رأي في المسائل المختلفة، فلا نجد أمامنا إلا رأي الأغلبية كمرجعية ومرجح. فرأي الأغلبية جوهري في هذا النظام، فهو منشأ العقد الاجتماعي، والنظام السياسي، والتشريعات والقوانين وتغييراتها، واختيار الحكام والمنفذين، بل وحتى في الأحكام القضائية (هيئة المحلفين كمثال)، فهو أساس المشروعية في المطلق في هذا النظام.

والانتقادات الفلسفية التي وجهت لهذا النظام قديمة قدم الفلسفة، ابتداء من جدلية هل الإنسان حر؟ وهل توجد حرية مطلقة للفرد في الاجتماع الإنساني؟ وأليست الحرية متناقضة أصلا مع النظام؟ وهل الشعب مؤهل للحكم في كل المسائل والدقائق؟ أم أن الأجدى العودة لأهل العلم والكفاءة؟ وهل الأغلبية تصلح كمرجع لتحديد الصواب والخطأ؟ وماذا إن كانت الأغلبية جاهلة أو مغيبة؟ وأليس الأجدى حصر الأخذ برأي الأغلبية في التأكد من وجود مقبولية للنظام وليس مشروعيته؟ فهناك فرق بين المشروعية والمقبولية، وليس كل حق مشروع مقبولا من البعض! وأيضا أليس الأفضل الاستعانة برأي الأغلبية في بعض الأمور الإجرائية فقط وليس في القواعد والمبادئ التي تحتاج للعلم والكفاءة والحكمة والتي تتجاوز ديمقراطية عد الأصابع كما يقول “المسيري”؟
لكننا هنا سنتناول نقطة واحدة من ركائز هذا النظام، وهي المساواة، فنعود لسؤالنا: هل الحل في المساواة؟ وهل البشر متساوون أصلا؟
عند التأمل في هذه المسألة نجد أن البشر متساوون من أوجه ومختلفون من أوجه. فهم متساوون في أن جميعهم بشر! لكل منهم عقل وإرادة، ومشاعر وتطلعات، ولكل منهم جسد له رغباته وميوله، وجميعهم مخلوقات ضعيفة في كون محكم القوانين، يحتاجون للطبيعة من حولهم، ويحتاجون لبعضهم البعض، ولغيرهم.

لكنهم أيضا متباينون ومختلفون، وهذه الاختلافات نوعان، نوع بدون اختيارهم، فهناك قوي الجسد وضعيفه، كبير السن وصغيره، شديد الذكاء وقليله، المولود في ظروف مواتية والمولود في ظروف صعبة، الذكر والأنثى. وهناك اختلافات بسبب أفعالهم، فهناك من طلب العلم ومن بقي جاهلا، ومن تحلى بالأخلاق الحسنة ومن برع في الشرور، ومن امتهن النجارة أو الحدادة أو الطب أو الهندسة، وهكذا.

وبسبب وجود التشابهات والاختلافات أمكن وجود المجتمعات البشرية، فلو لم يكن هناك تشابه لما أمكن للبشر فهم بعضهم والتعايش فيما بينهم، ولو لم يكن هناك اختلاف لهلك الجميع، فالبشر محتاجون، والاختلاف يجعل حاجة الأول متوفرة عند الثاني، وحاجة الثاني عند غيره، فيجتمعون كي يلبي كل منهم حاجته، بينما لو احتاجوا جميعا نفس الشيء ولم يمتلكوه جميعا لما حصل أي منهم على ما يحتاج، ولهلك الجميع، كما يشير الفيلسوف المسلم “ابن سينا”.

فهذا يزرع الأرض، وهذا يحيك الثياب، وهذا يتقن الحساب، وذاك يبرع في الإدارة، وهذا يعلم وذاك يتعلم، فيقوم المجتمع الإنساني. والرجل يسكن للمرأة والمرأة تسكن للرجل، والطفل يحتاج لتعليم وتربية وعناية يوفرها الأكبر سنا، والطاعن في السن يحتاج أيضا لرعاية يوفرها الأصغر سنا، وهكذا.

ولتحقيق العدل يجب أن يحصل كل منهم على حقه وما يحتاجه وما يناسبه، فإن عاملت الطفل كما تعامل الشاب فقد ظلمته، وإن عاقبت المحسن كما تعاقب المسيء فقد أرسيت الجور شريعة ودستورا، فليس العدل في المساواة المطلقة إذن، وهو ما تنبه له “أرسطو” منذ زمن.

فالعدل -إذن- في احترام التشابهات والاختلافات، وليس في المساواة العمياء، بل في المساواة بين المتساويين والتفرقة بين المختلفين! فحقوق الطفل غير الشاب غير العجوز، والجاهل حقه التعليم، والعالم حقه التمكين فيما يعلمه ويبرع فيه، وهكذا.

إن المساواة المطلقة مثلها مثل الحرية المطلقة مجرد خيال جامح وعاطفة عمياء لا وجود لها في الواقع، وحتى كبار منظري الليبرالية اصطدموا بهذا في تنظيراتهم، وفشلوا في تجاوزه.

فـ “جون لوك” في “مقالتين في الحكم المدني”، بعدما أعلى من قيمة المساواة، وجعلها مع الحرية الحالة الطبيعية للبشر؛ عاد بعد ذلك ليلاحظ أن قيام الإنسان بالعمل والاكتساب واختراع العملات وإطلاق حق التملك الفردي سيؤدي بالضرورة للاختلاف بين البشر وانتهاء حالة المساواة. وهو هنا يركز على نوع واحد من عدم المساواة، وهو النوع الذي توقفت عنده الليبرالية كثيرًا، لتشهد بعد ذلك تحولا جذريا -بدأ خفيا وانتهى جليا- وهو أن البشر متمايزون بتمايز امتلاكهم لرأس المال! لتولد الرأسمالية المبينة على انعدام المساواة والفوارق الطبقية الضخمة والتمايزات الاقتصادية الهائلة من رحم فكرة المساواة! وهذا حال الأفكار الخيالية غير الواقعية!

فلنعد إذن إلى مطلع المقال وإلى موضوعنا الأساسي والذي لم نغب عنه كثيرًا، فإصلاحات الرئيس التونسي جاءت باسم الليبرالية، وهلل لها الليبراليون في عالمنا العربي، وبالتالي إلقاء الضوء على التناقضات الكامنة في الرؤية الليبرالية يهدم ما بني عليه قرار الرئيس التونسي أصلا. كما أن فكرة المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة أيضا تسقط، إذ أنه من الواضح -حتى للطفل الذي لم يكتمل عقله بعد- وجود اختلافات بينهما ووجود تشابهات أيضا، وليس تساويا تاما.

لكن يتبقى سؤال جوهري، وهو كيف نحدد هذه الاختلافات والتشابهات بدقة؟ وكيف نعطي لكل جانب من جوانب التشابه أو الاختلاف حقه؟ “هذه هي المسألة” كما يقول “هاملت”! وقد نتناول ذلك في مقالات أخرى بمشيئة الله تعالى.