لا يُلدغ الأحمق مرتين…!

تشاركنا أنت وأنا هموم الوطن عشرات المرات، وحملت عنك راضياً مهمة الدفاع عن حقك الإنساني في الحياة، وتصديت بدلاً منك لحاكم يريد أن يبتلعنا جميعاً لحساب ذاته وسلطانه، والآن جاء دورك لترد هذا الجميل وأن تشاركني همي وبكائي أنا الخاص.. فهل فعلتها مرة لأجلي، أم رددتني علي أعقابي خائباً منكسراً غير آسف لحالي؟

إن احتكمنا للمبادئ فمن واجبي أن أكتب لأجلك من دون أن انتظر المقابل، أن أواجه عنك المتاعب دون أن أزعم البطولة، أن أظل صلباً ممتشقاً سيفي وقلمي حتي لو سالت دمائي أنهاراً.. ولكن فلننحي المبادئ جانباً، وقل لي أنت صدقاً.. أتسمي هذا هو العدل؟ أتراني جسوراً إلي هذا الحد؟ أتحسبني كائناً لا يظفر منه اليأس بالقدر الذي يصل به أحياناً إلي حافة الهاوية؟.

“هذا القلم وهذه الأوراق وتلك الموهبة التي تزهو بها، ليسوا ملكك وحدك، بل سلموا إليك لتغير بهم العالم إلي الأفضل”.. هذا الصوت الشاذ لم يعد يروقني سماعه، ولا أود له أن يرافقني ما بقي من حياتي.. فمن قال إنني هذا الرجل الصالح لأحمل رسالتكم النبيلة، وهل كنتم خيرتوني قبل أن تضعوها كالقيد في عنقي؟ هل سألتوني إن كنت أصلح لها؟.. فعجباً لأحمق مثلي ظن يوماً أنه سيجد للفقير قوته من دون إهانة، وأنه قادر علي أن يضع للطاغية ألف نهاية.. يا لها من رومانسية مفرطة أو بالأحري هي رومانسية حمقاء.

لا اُنكر أنني بت أسخر من حالي ومبادئي بعد أن كنت مؤمناً بها كناسك قضي عمره في محراب الله.. فأي عالم تظنه سيتغير؟ وأي وطن تظنه سيصير ملكاً للجميع؟.. صدقني يا سيدي إنها الخديعة الكبري، وأدعوك لأن تفيق منها سريعاً كما نجوت أنا.. فأحلام المواطنة والمساواة والعدالة في “شبه الدولة” هي أقرب إلي الخرافات التي نشأنا نرددها، كالغولة وطرزان والشاطر حسن وأميرته ست الحسن.

تنتظر مني أن أحدثك في السياسة.. إذاً فلتنصت وتأمل معي المشهد الذي تحفظه ولا تمل من تكراره وكأنك أصبحت تهوي تعذيب نفسك وتعذيبي معك.

سأحدثك عن سلطة تزدري الناس فلا تراهم، عن رئيس يجلس فوق كرسيه الوثير محاطاً بحرس وحاشية تنافقه حتي ظن أنه بمفرده يملك مصائرنا ووحده القابض علي مستقبلنا.. عن حاكم مترف لا يخجل من دعوتنا لأن نموت جوعاً بينما يسكن القصور ويتحرك في مواكب فارهة.. عن وطن تتفسخ أوصاله أمام أعيننا ولا نبالي.

سأحكي عمن تجاوزوا الشكوي إلي الأنين، عن أوضاع بائسة لم تتحرك خطوة للأمام بقدر ما تراجعت مئات الأميال إلي الوراء.. عن صرخات يتبدد صداها فلا يسمعها أحد، وعن صرخات أخري مكتومة تهلك من قسوة التجاهل.. سأروي لك قصصاً عن ملايين تضيع أعمارهم وراء كسرة خبز ورشفة ماء نظيف وسقفاً يحمي عوراتهم.. عن أحلام تبددت فلم يبق منها شيئاً إلي حلم الهجرة والرحيل.

ما رأيك أيها القارئ الشجاع.. هل أعجبتك سياستنا؟ هل تشعر بتحسن الآن؟ هل ستناضل كغيرك حتي يفوز الرئيس المُلهم بمدد رئاسية أبدية؟.. بالقطع ستفعل إما طوعاً أو قسراً، فما زالت أمام “القاهر لشعبه” فرصة عظيمة لاستكمال مخطط الإبادة الجماعية وإسقاط من تبقي منا إلي السفح.

أدعوك لأن تؤمن مثلي بأن أحاديث الديمقراطية هي إلهاء وسط آدميتنا المُهانة.. وأحاديث الحرية هي ذروة العبث طالما هناك من يظن أنه الممسك بزمام المنح والمنع.. فأي خوف إن ملكنا حريتنا في الكلام والتعبير والمساءلة والمحاسبة؟ هل يخشون علينا أم تنتابهم الرهبة علي أنفسهم؟ ما جرائمهم التي يحرصون على إخفاءها عبر التأبيد في السلطة؟.. مؤكد نحن الخونة لأننا نتكلم ونعارض من باب العمالة ساعين لإسقاط الوطن، ومؤكد أنهم الأكثر دراية ووطنية وفهماً لأمثالنا من “أهل الشر”.

يفترض أن أجيبك أنا عن أسئلتك لا أن أحاصرك بالمزيد منها.. ولكن كم مفترض في الحياة صار نسياً منسيا.. المفترض أن تشعر في وطنك بأنك السيد والقائد ومن دونك هم خدام أوامرك، فهل يحدث؟.. المفترض أن تحصل علي فرص متكافئة في التعليم والعمل والترقي، دون اعتبارات الحسب والنسب، فهل يحدث؟.. المفترض أن تشارك وتحاسب وأن يخشاك الحكام لا أن تخشاهم أنت، فهل يحدث؟.. المفترض أن تتطلع إلي المستقبل منتشياً مفعماً بالأمل، لا مذعوراً ترتعد من المجهول.. المفترض ألا تسألني أنا بل اذهب واسألهم واكشف لهم عن مخاوفك، لعلك تجد الإجابة الصادقة والقاطعة لحيرتك.

دعوتك لأن تزيح عني همومي فاستدرجتني بغير إرادة إلي عالمك الفوضوي.. كنت أريدك سنداً لي لكنك استغفلتني حتي صرت أنا الذي أرثيك وأبكي لأجلك.. أعرف أنك لا تستحق كل هذه الكآبة فما تقاسيه يكفيك.. ولكني لا أريد خداعك بأوهام “بكره تشوفوا مصر”، وحلم “أد الدنيا”.. فقد كذبوا عليك ويا ليتهم يكفون عن مواصلة الكذب وتصدير الأوهام.. كذبوا عليك ويا ليتهم يشعرون بالخجل فيرحلون.. ويا ليتني أفعل مثلهم، فأكف أنا أيضاً عن الكآبة والكتابة معاً!