قراءة في كتاب: مقدمة عن توتر القرآن لجمال عمر

في كتاب “مقدمة عن توتر القرآن” الصادر حديثًا عن دار الثقافة الجديدة بالقاهرة، يُقدم الباحث جمال عمر قراءة تاريخية ونقدية لتعامل المسلمين مع القرآن، منذ نزوله على النبي محمد كآيات متفرقة على مدى زمني تجاوز العشرين عامًا، مرورًا بجمع هذه الآيات في كتاب واحد وتحول القرآن لنص مكتوب، وما نتج عن ذلك من تغير في بنية وفهم وتلقى القرآن، ثم محاولات القدماء من علماء الكلام والفقه والمتصوفة للتعامل مع القرآن، وصولًا للدراسات الاستشراقية التي ركزت على دراسة القرآن وتاريخه، بالإضافة لمحاولات المفكريين المسلمين المعاصرين الساعيين لصناعة جسر ما بين معاني القرآن وواقع مجتمعاتنا في ظل منظومة الحداثة.

منذ البدء يتعامل الكاتب مع القارىء بوصفه شريكًا في العمل، داعيًا إياه لأن يكون فاعلًا وليس مجرد متلقي، وفي هذا السياق يختار جمال عمر أن يكون عنوان كتابه “مقدمة عن توتر القرآن” بما تحمله كلمة “مقدمة” من إشارة ودعوة للمشاركة في تطوير هذه المقدمة، لتُصبح نصًا أو مدخل لنصوص عديدة تُحاول التعامل مع القرآن بصورة جديدة ومختلفة.

يقول جمال عمر في مقدمته “آثرت أن يكون هذا الكتاب مقدمة، بما للمقدمة من نقص، ومن حاجة للمزيد من التفصيل. لعلها تكون دعوة، لأن يشترك آخرون في سد عجزها، عبر نقدها، وتفكيكها، بل ونقضها من جذورها، فلا سبيل لنا إلا بجهد ثم نقده ليُولد الجديد”.

ينقسم الكتاب إلى جزئيين : الأول بعنوان “القدماء وأدواتهم لرفع توتر القرآن” ويتضمن ستة فصول تتناول القرآن ككتاب لاهوت والرؤى الفقهية والبلاغية والفلسفية والصوفية في تعاملها مع القرآن، أما الجزء الثاني “المحدثون وآلياتهم لرفع التوتر عن القرآن” فيتضمن سبعة فصول، تتناول القرآن وتصورات العرب الثقافية، والقرآن ما بين الفقه والقانون، والقرآن والعلم الحديث، والقرآن حسب ترتيب نزوله لا ترتيب تلاوته، والقرآن والتاريخية.

الشفاهية والتدوين

في الفصل الأول من الكتاب يتناول الكاتب الكيفية التي نزل بها القرآن كآيات متفرقة، وخطاب منطوق وشفاهي يتفاعل مع الواقع ومتغيراته، ويُجيب على الأسئلة التي يطرحها العرب، مشيرًا إلى أن تدوين القرآن كان من فئة قليلة من المسلمين الأوائل، وكان التدوين يتم باللغة العربية التي لم تكن قواعد التنقيط والتشكيل قد وُجدت حينها، وبالتالي ظل التناقل الشفاهي للقرآن هو الأصل، في ظل بيئة ومجتمع وثقافة شفاهية، حتى جاء الخليفة عثمان بن عفان وسعى لجمع هذه الآيات وتدوينها في كتاب واحد، مما نتج عنه تغيرات جوهرية في التعامل مع القرآن، يقول عنها الكاتب:” تقعيد القرآن من منطوق لنص مكتوب، فرض تحول التعامل مع القرآن من كونه كلام منطوق وخطاب تفاعل بين متكلم ومخاطب أول ومخاطبين ثوان، لكونه نص يجب ألا يكون به توتر بين أجزائه، ويجب أن يكون به وحدة وعدم تباين أو شبهة تناقض”.
ويكمل: “منذ أن انتقل الخطاب القرآني، من كونه كلامًا، نطق به النبي محمد على دفعات متوالية، خلال عقدين من الزمان، فضُمت عبارات هذا الكلام إلى بعضها البعض في سور، لتُرسَم بين دفتي مصحف، بترتيب تلاوة غير ترتيب خروجه أول مرة من فم النبي. منذ هذا الضم تعامل المفكر المسلم مع المصحف، ككتاب لابد أن يكون له بؤرة معنى، وكنص من المفروض أن يكون له مركز دلالة. فينبري جسد المفكر المسلم: لرفع هذا التوتر بين المعاني بإزاحة معاني لا يريدها، ومركزة معنى واحد، يفرضه، كبؤرة للنص وكمركز للكتاب، عبر مفاهيم: المحكم والمتشابه، الناسخ والمنسوخ، العام والخاص، المطلق والمقيد، الظاهر والباطن، ألخ ..”.

مظاهر التوتر

لا يحدد الكتاب تعريف واضح ومحدد لمصطلح “توتر القرآن”، لكنه ينطلق من كون القرآن نزل على النبي كخطاب تفاعلي وحي، وتحويل القرآن لكتاب ونص فرض على القرآن قواعد وحدود من خارجه، نتج عنها صور متعددة للتوتر داخل القرآن، يُشير الكتاب لبعض هذه المظاهر مثل “التنزيه والتشبيه” فبينما يتحدث الخطاب القرآني في العديد من الآيات عن التنزيه الكامل للذات الإلهية، فهو ليس كمثله شىء وله المثل الأعلى، في حين تُقدم آيات آخرى صورة حسية للذات الإلهية كما في الآيات : “والله يسمع تحاوركما إن الله سميع عليم”، و”الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم”، ويوضح الكاتب أنه في محاولة لرفع هذا التوتر أو التناقض ظهرت مقولة المحكم والمتشابه، إلا أن هذه الرؤية ذاتها تحمل بداخلها توترها وتناقضها لآن المحكم عن فريق متشابه عند آخر.

يعدد الكاتب مظاهر التوتر والمحاولات الاجتهادية للتعامل معها والتي يرى الكاتب أن معظم هذه المحاولات قائمة على التلفيق وتفضي إلى مزيد من التوترات مستعرضًا أبرز نقاط التوتر وهى: الموقف من أهل الكتاب، والخمر، وولاية المهاجرين والأنصار، ووضع المرأة، وآيات السيف، والنبي ودوره، والمقاصد الكلية للشريعة وغيرها، ويُقدم أيضًا رصدًا لأبرز محاولات رفع هذه التوترات كالحديث عن الناسخ والمنسوخ، واللفظ والمعنى، والمطلق والمقيد، وفي السياق ذاته يقول الكاتب :”لب هذا المأزق هو التعامل مع القرآن ككتاب وكنص بين دفتي مصحف، يجب أن يكون له مركز دلالة وبؤرة معنى”، ويضيف “هذه المداخل رغم أنها نظرت للقرآن في بنيته ككتاب ونص، وحاولت الوصول إلى مركز للمعنى فيه وبؤرة للدلالة، إلا أنها فتت القرآن وتعاملت معه مجزأ، آية، آية، وهذا للطبيعة الشفاهية، للثقافة، وآلياتها التي مازالت هى الآليات السائدة في عصورنا تحت قشرة التدوين والنصوصية الحديثة”.

القرآن والسلطة

يُشير الكاتب إلى أنه مع هجرة المسلمين إلى يثرب، تكون مجتمع قائم على صلة العقيدة والإيمان وليس القبيلة وصلة النسب كما إعتاد العرب، هذا التغير في بنية المجتمع تطلب وجود ضوابط لحياة وسلوك أفراد هذا المجتمع، فكان الوحي القرآني في حياة النبي يأتي بإجابات للأسئلة التي تُطرح والمشكلات التي تواجه هذا المجتمع، لكن بعد انقطاع الوحي بوفاة النبي، واتساع مساحات ومدى مجتمعات المسلمين وازديادها تعقيدًا، ومع زيادة حدة الصراع السياسي، تحول القرآن لسلطة يسعى كل طرف في إحتكارها. “مع رفع الأمويين المصاحف على أسنة الرماح لتحكيم كتاب الله، هذا الفعل حول القرآن من كونه موضوع للفهم والتدبر ومن ساحة للدرس والفهم، لأن يُصبح المصحف سلطة، سلطة تفعل ما عجزت عن فعله السيوف والرماح والجيوش. سلطة نص، هى في النهاية سلطة بشر، لأن النص لا ينطق ولا يتكلم، بل البشر هم الذين ينطقون به”، ويُضيف: “التعامل مع المصحف كسلطة، نقل صراعات الواقع الاجتماعية والسياسية والثقافية إلى ساحة المصحف. ليُصبح التأويل وإمتلاك معان النص المركزية هى مجال صراعات الفرق والإتجاهات، عبر فرض معنى مركزي وإزاحة معان أخرى نحو الهامش. ويُصبح هذا المعنى فعل ممارسة سلطة، وليس فعلًا معرفيًا بآليات الفكر”.

ورغم هذه الصراعات على احتكار فهم المصحف والحديث باسم القرآن، إلا أن تعدد معاني القرآن، وكونه “حمال أوجه”، فضلًا عن المتغيرات الكبيرة التي طرأت على المجتمع، دفعت السلطة السياسية والمعرفية للسعي لإيجاد مصادر أخرى بجانب القرآن. “كانت المرويات المتداولة شفاهيًا، المنسوبة للنبي محمد وما تعكسه من تصوير للأعراف والتقاليد العربية، الحجازية كأنساق ظبط، يستخدمها الفقه ورجاله، فكان سعى عبد العزيز بن مروان والد الأمير عمر بن عبد العزيز ومن بعده عمر في محاولة جمع سنن النبي عليه السلام، ثم انفجرت عمليات تدوين المرويات مع عصر التدوين ، ومع رسوخ المذاهب كأنساق تفكير في الفقه والعقيدة، أصبحت المرويات ناسخة لآيات القرآن ذاته”.

القرآن والحداثة

بعد قرون طويلة من الجمود والتخلف واجترار الماضي، ظهرت مع بداية القرنين الثامن والتاسع عشر دعوات للإصلاح وإحياء الدين، مدفوعة بهاجس مواجهة الحداثة الغربية. يرصد الكاتب العديد من هذه الدعوات سواء التقدمي منها أو الأصولي والمتشدد ومن أبرزها: دعوة محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية وشاه ولي الدين الدهلوي ثم رفاعة الطهطاوي وعلى مبارك ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني في مصر، مشيرًا إلى أن هذه الفترة شهدت ميلاد الصراع بين الخطابين الإصلاحي “التنويري”، والأصولي “السلفي”، هذه الثنائية التي ستظل معنا حتى الآن.

ركز خطاب الإصلاح الديني على قضية فتح معاني النصوص لتقبل التغيرات الحديثة والعلم الحديث ونظم الحكم، وذلك عبر التفرقة بين الثوابت وبين المتغيرات في الإسلام . أي التفرقة بين ما هو ديني وبين ما هو دنيوي، عبر الفصل بين حال المسلمين وبين الإسلام، وتبرئة الإسلام كدين من ذنب تخلف المسلمين. “هذا الفصل وتلك التفرقة بين الإسلام والمسلمين، مكن خطاب الإصلاح الديني، من إعادة قراءة النصوص التأسيسية، وإعادة تفسيرها وتأويلها، والتفرقة في فهمها التراثي بين ما هو ديني وما هو دنيوي، ولكن هذا الفعل من جانبه، ساهم في تجميد صورة الماضي، عبر تمجيده، أو تمجيد فترات منه، في مقابل إدانة الحاضر، الفاسد، الجامد، المتخلف، ونقده”، الدعوات الأصولية “السلفية” بطبيعتها كانت تمجد الماضي وتدعو للعودة للإسلام النقي إسلام النبي والخلفاء الراشدين من وجهة نظرهم.

ويُشير الكاتب إلى أنه ورغم الإنجازات التي حققها خطاب الإصلاح الديني في بعض البلدان إلا أن الخطاب السلفي استطاع تهميش خطاب الإصلاح ودفعه لخلفية المشهد.
“هذا التهميش ليس نتاج كفاءة من خطاب السلفية، أو للتغيرات السياسية والاقتصادية والثقافية، بل لعطب داخل خطاب الإصلاح الديني ذاته، فمنهج التوفيق، عبر التجاور بين متباينات، أفضت إلى مجرد تلفيق، مثل الجمع والتجاور بين عدل المعتزلة وتوحيد الأشاعرة، رغم أن كل منهما جزء من نسق كامل، فعملية التلفيق حبست جهود التجديد في مجرد جوانب مادية ظاهرية شكلية، ينقض عليها خطاب السلفية الدينية بسهولة، نتيجة للتراث الطويل من التقليد والجمود الواقع الفكري ذاته، فيهمش خطاب الإصلاح”.

الخاتمة

يختتم جمال عمر كتابه بفصل بعنوان “فاتحة” مؤكدًا من جديد على كون بحثه ما هو إلا مقدمة لفهم القرآن وتتبع تاريخه ومحاولة للبحث عن رؤى مختلفة للتعامل معه، داعيًا القارىء ليقوم بدوره كشريك في صناعة هذا الخطاب، فالقرآن من وجهة نظر الكاتب نزل كخطاب قائم على التفاعل مع المخاطب، ولذلك كل محاولة للبحث والفهم وإدراك كيفية التعامل مع القرآن، من الضروري أن تقوم على عملية تفاعلية، وفي هذا السياق يقول الكاتب :” نحن نشكل ونكون معاني القرآن ودلالات المصحف طوال الوقت. فالمصحف لا ينطق، بل ينطق عنه البشر. القرآن لا يعطي معان إن لم يقرأه أحد”، ويضيف :” ربما يكون توتر القرآن، هو مكون أساسي من مكوناته الفاعلة، وهو عامل من عوامل قدرته واستمراره على إنتاج المعاني. وأن التوتر ليس نقصًا في القرآن يجب أن نرفعه، أو نزيحه. وأن محاولاتنا لرفعه أو إلغائه قديمًا وحديثًا، هى مجرد مصادرات تنحية وستر للقرآن ككائن حي، نابض”.